منبر العراق الحر :…هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة رانية مرجية، ومحاولة لمقاربة هذا الوجع المنسكب على أرصفة “اللد”:
في هذا النص، لا تكتب رانية مرجية مجرد مقال عابر أو تقرير صحفي عن مشهدٍ مألوف في المدن المنهكة؛ بل تصوغ وثيقة إدانة بصرية وإنسانية بوجه عالمٍ محكوم بالآلية والسرعة والبلادة الحِسية.
النص ينتمي إلى أدب الواقعية المؤلمة، حيث يتحول الحَدث اليومي الصغير إلى مرآة تكشف عورات المجتمع وبنيته الأخلاقية.
١ – بلاغة الاختزال وعفوية الصدمة
تنطلق الكاتبة من الخصوصية “ليالي اللد” لتصل إلى الكونية المتمثلة في “هشاشة الإنسان”. المشهد في جوهره دراما إنسانية مكثفة؛ فتاة في مقتبل العمر (22 عاماً) تختزل صراعاً وجودياً مريراً بين واقع يطردها، وعالم داخلي يلتهمها.
العبقرية الوجدانية في النص تتجلى في قنص الكاتبة للعبارة المفتاحية: “أريد أمي…”.
هذه الكلمة لم تكن مجرد نداء، بل هي:
ارتداد غريزي: عودة حتمية للطفولة كآلية دفاع أخيرة ضد التفتت الداخلي.
تجريد للمفهوم: فالأم هنا ليست شخصاً أو علاقة بيولوجية، بل هي “الوطن البديل” والملجأ الأزلي من فوضى المصير.
٢- تفكيك النظرة المجتمعية (المرض والإدمان)
تضعنا الكاتبة أمام مرآة قاسية لتفكيك الأحكام الجاهزة. فالإدمان في النص ليس خياراً عبثياً أو رغبة في السقوط، بل هو “هدنة قصيرة من الخوف” ومحاولة يائسة لتخدير الأصوات الصاخبة في رأس أنهكه المرض النفسي.
هنا ينتقل النص من التوصيف الفردي إلى النقد الاجتماعي؛ فالمرض النفسي في مجتمعاتنا ما زال يُعامل كـ “وصمة” تُقصي صاحبها إلى الهامش (الشارع)، بدلاً من أن يكون وجعاً يستدعي الاحتواء والرعاية.
٣- جمالية الأسلوب (السهل الممتنع)
جاءت لغة النص دافئة، خالية من التقعير اللغوي والمحسنات البديعية المتكلفة، وهو ما جعلها تنفذ إلى شغاف القلب مباشرة. عبارات مثل:
“بعض البشر لا يهربون نحو الإدمان حباً في السقوط، بل لأنهم تعبوا من محاولة النجاة.”
هي عبارات مشحونة بالطاقة التعبيرية التي تختزل مجلدات من علم النفس الاجتماعي في سطر واحد. الكاتبة لم تدعّ الحياد، بل انحازت بكليتها للإنسان، جاعلة من حرفها عيناً ترصد ومشرطاً يحلل.
خاتمة
إن نص “حين يصبح الشارع أرحم من العالم” صرخة في وادي الصمت، وتذكير بليغ بأن المأساة الأعمق ليست في الموت المفاجئ، بل في “الموت التدريجي المنسي” على مرأى ومسمع من الجميع. نص يفيض بنبل المقصد وعمق الرؤية الإنسانية.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹
—
حين يصبح الشارع أرحم من العالم
رانية مرجية
في المدن التي اعتادت رؤية الألم، تمرّ المآسي الصغيرة بلا ضجيج.
وجوهٌ منهكة عند الأرصفة، عيونٌ شاردة تحت أضواء الليل، وأرواحٌ تتآكل ببطء فيما يواصل العالم سيره كأن شيئًا لم يحدث.
لكن بعض الحكايات تترك خلفها رجفةً لا تزول، لأنها لا تتحدث عن الضياع فقط… بل عن إنسانٍ فقد الطريق إلى الواقع نفسه.
في إحدى ليالي اللد، كانت شابة في الثانية والعشرين من عمرها تسير وحدها بلا وجهة واضحة.
لم تكن تمشي كمن يعرف إلى أين يذهب، بل كمن يحاول الهروب من شيءٍ يطارده من الداخل.
خطواتها المرتبكة، نظراتها القلقة، ارتباكها أمام الوجوه والأماكن… كلها كانت تقول إن معركةً قاسية تدور داخلها بصمت.
كانت تبدو خائفة من العالم،
ومن نفسها أيضًا.
خلف ذلك المشهد المختصر، كان هناك تاريخ طويل من الصراع مع المرض النفسي، وسنوات من التصدع الداخلي الذي لا يراه أحد.
أما المخدرات، فلم تكن سوى محاولة يائسة لإسكات الضجيج داخل رأسها؛
هدنة قصيرة من الخوف، من الأصوات، من الفوضى التي كانت تبتلعها ببطء.
فبعض البشر لا يهربون نحو الإدمان حبًا في السقوط،
بل لأنهم تعبوا من محاولة النجاة.
المرض النفسي لا يترك جروحًا ظاهرة دائمًا.
لا يثير الدم على الأرصفة، ولا يسمع الناس صوته بسهولة،
لكنه يلتهم الإنسان من الداخل بهدوءٍ مرعب، حتى يصبح غريبًا عن العالم وعن نفسه معًا.
وكان واضحًا أن تلك الشابة وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على الإمساك الكامل بخيط الواقع.
كانت تائهة بين الشارع وبين عالمٍ مضطرب يسكن داخلها،
وحيدة في مواجهة خوفٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وعندما حاول بعض المارة الحديث معها، لم تطلب مالًا، ولم تصرخ، ولم تبدُ عدائية.
قالت فقط بصوتٍ مرتجف، كأن الكلمات خرجت من عمق انهيارها:
“أريد أمي…”
وفي لحظات الانكسار الكبرى، تختصر جملة واحدة حياةً كاملة.
فجأة، لم تعد تلك الشابة امرأة في الثانية والعشرين،
بل طفلة ضائعة تبحث عن آخر مكان شعرت فيه بالأمان.
كانت تريد أمها لأن الإنسان، حين ينهار نفسيًا، يعود غريزيًا إلى أول معنى للحماية عرفه في حياته.
إلى الحضن الذي لا يسأل كثيرًا، ولا يطلب تفسيرًا للألم، بل يحتويه فقط.
الأم، في تلك اللحظات، لا تكون شخصًا…
بل وطنًا أخيرًا.
المشهد لم يكن مجرد فتاة شاردة في الطريق،
بل صورة موجعة عن هشاشة الإنسان حين يُترك وحيدًا أمام مرضه،
وصورة أشد قسوة عن مجتمعٍ لا يزال ينظر إلى المرض النفسي بوصفه وصمة، لا وجعًا يحتاج إلى رعاية واحتواء.
كم من الأرواح تُدفع نحو الشوارع لا لأنها اختارت الضياع،
بل لأنها لم تجد يدًا تمتد إليها قبل السقوط؟
وكم من الأشخاص الذين نختصرهم سريعًا بكلمات مثل “مدمن” أو “مختل”،
كانوا في الأصل بشرًا خائفين، أنهكتهم الحياة بصمت؟
تلك الليلة، لم تكن الشابة بحاجة إلى أحكام أخلاقية،
ولا إلى نظرات شفقة عابرة.
كانت تحتاج إلى نجاة حقيقية؛
إلى من يراها كإنسانة قبل أن يراها كعبء أو مشكلة.
لأن أكثر ما يقتل الأرواح المتعبة ليس المرض وحده،
بل شعورها أن العالم كله توقف عن الإصغاء إليها.
وربما كانت المأساة الأعمق،
أن بعض البشر لا يموتون دفعةً واحدة…
بل يختفون تدريجيًا، بينما يمرّ الجميع بجانبهم دون أن ينتبه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر