«حرب الأيام… وإدارة الخصم لا احتلاله» العقيدة الأميركية الجديدة تجاه إيران …الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :⏺️ المقدمة:

لم تعد “الهدنة الترامبية” الهشة تُقرأ بوصفها فرصة للسلام، بل كفاصلٍ قصير بين مرحلتين من الصراع. فبعد “ترامب ما بعد بكين”، تغيّر شكل السؤال داخل واشنطن: لم يعد كيف تُسقط إيران، بل كيف تُمنع من استعادة توازنها لسنوات دون استنزاف القوة الأميركية في حرب مفتوحة.

هنا تتشكل ملامح العقيدة الجديدة:

ضربة عسكرية قصيرة زمنيًا… عميقة وظيفيًا… تعقبها مرحلة طويلة من الضغط وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بطهران.

لكن المشكلة أن إيران لا تفكر بمنطق الاحتواء، بل بمنطق كسر الاحتواء نفسه. ولذلك، كلما اقتربت واشنطن من نموذج “إدارة الخصم”، اقترب الحرس الثوري من خيار أكثر خطورة: توسيع ساحات الاشتباك، وتجاوز الخطوط الحمراء، ونشر الفوضى الاستراتيجية في الممرات والطاقة والجغرافيا السياسية للمنطقة.

وهكذا، يقف الشرق الأوسط أمام معادلة شديدة الانفجار:

أميركا تريد حرب أيام… وإيران تستعد لتحويل المنطقة إلى بيئة استنزاف وتوتر مفتوح.

1️⃣ من إسقاط الأنظمة إلى إدارة الخصوم

منذ حربَي العراق وأفغانستان، بدأت المؤسسة الأميركية بإعادة تقييم كلفة الحروب المفتوحة. فإسقاط الأنظمة كان أسهل من إدارة ما بعد السقوط، والانتصار العسكري لم يعد يعني بالضرورة انتصارًا سياسيًا أو استراتيجيًا.

ومن هنا، تطورت تدريجيًا عقيدة جديدة داخل التفكير الأميركي:

ليس احتلال الخصم… بل إدارة قدرته.

أي:

◾️منعه من التحول إلى تهديد استراتيجي

◾️إنهاك أدواته العسكرية والاقتصادية

◾️تطويق نفوذه الإقليمي

◾️وإبقاؤه داخل دائرة ضغط مستمر تمنعه من استعادة التوازن

وهو ما يتقاطع مع تحليلات Center for Strategic and International Studies وForeign Affairs التي تشير إلى أن العقيدة الأميركية بعد العراق وأفغانستان باتت تميل إلى “إدارة الخصم” بدل التورط في احتلاله.

بهذا المعنى، فإن الهدف المحتمل من أي عملية ضد إيران لن يكون احتلال طهران، بل شلّ قدرتها على فرض معادلة ردع مستقرة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

2️⃣ حرب قصيرة… لكن واسعة وظيفيًا

حين يُقال إن الضربة المقبلة قد تكون “محدودة”، فإن المقصود ليس محدودية التأثير، بل محدودية الزمن.

فالعقيدة الأميركية الحديثة تقوم على:

تكثيف القوة في أيام قليلة بدل توزيعها على سنوات طويلة.

أي أن العملية قد تكون قصيرة زمنيًا، لكنها تشمل:

◾️الدفاعات الجوية

◾️مراكز القيادة والسيطرة

◾️البنية الصاروخية

◾️المنشآت العسكرية

◾️الموانئ والعقد اللوجستية

◾️شبكات الاتصالات والبنية السيبرانية

◾️منشآت الطاقة

◾️الجسور والبنية التحتية الاستراتيجية

وهنا تتكشف ملامح “الحرب الثالثة”:

لم تعد الحرب تتركز فقط على المنشآت النووية أو القواعد العسكرية، بل انتقلت إلى استهداف البنية التي تُبقي الدولة قادرة على العمل والصمود.

فبعد تحصين أو تحييد أجزاء كبيرة من البرنامج النووي والمنظومات الصاروخية، أصبحت حرب البنى التحتية نفسها جزءًا من عقيدة الضغط والشلل الاستراتيجي.

وقد أظهرت تقارير وتصريحات أميركية حديثة، بينها تصريحات لوزير الحرب الأميركي، أن منشآت الطاقة والجسور والبنية اللوجستية باتت تدخل ضمن “الأهداف المشروعة” في أي مواجهة واسعة، في إطار نقل المعركة من تدمير القدرات العسكرية فقط إلى تعطيل قابلية الدولة على الاستمرار.

وهنا يظهر جوهر المعادلة:

حرب خاطفة في التنفيذ… لكنها عميقة في قدرتها على إنهاك الدولة وظيفيًا واقتصاديًا ونفسيًا.

3️⃣ الحصار بوصفه المرحلة الثانية من الحرب

في العقيدة التقليدية، كانت الحرب تنتهي عند توقف الصواريخ. أما اليوم، فالحرب الحقيقية قد تبدأ بعد توقفها.

فالضربة العسكرية، وفق هذا النموذج، ليست سوى المرحلة الأولى. أما المرحلة الأخطر فهي:

الحصار الطويل.

أي:

◾️خنق مالي

◾️ضغط على صادرات الطاقة

◾️إرباك الشحن البحري

◾️تقويض الاستثمار

◾️إنهاك العملة

◾️واستنزاف القدرة على إعادة بناء القوة

وهنا تتحول العقوبات والطاقة والموانئ والدولار إلى أدوات حرب موازية للصواريخ.

القنابل تكسر القدرة…

لكن الحصار يمنع التعافي.

وهنا لا يصبح الهدف إنهاء الخصم سريعًا، بل إبقاءه داخل بيئة إنهاك تمنعه من استعادة التوازن الاستراتيجي.

ولهذا، فإن المعركة المقبلة ـ إن وقعت ـ قد لا تكون حرب إسقاط سريع، بل حرب منع استعادة التوازن.

وتذهب تقديرات International Energy Agency إلى أن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز لا يُقاس بحجم الاشتباك العسكري نفسه، بل بارتداداته على الطاقة والتضخم والأسواق العالمية.

4️⃣ الحرس الثوري

     وعقيدة “نشر الفوضى الاستراتيجية”

لكن طهران لا تنظر إلى الصراع بالمنطق نفسه.

ففي العقيدة العملياتية للحرس الثوري، لا يُواجَه الحصار بالانكماش، بل بتوسيع بيئة الاشتباك. ولا تُواجَه الضربة المحدودة برد محدود، بل بتحويل المنطقة كلها إلى مساحة ضغط مفتوحة.

وهنا تظهر أخطر معادلات المرحلة القادمة:

“نشر الفوضى الاستراتيجية”.

أي:

◾️تهديد الممرات البحرية

◾️توسيع ساحات الوكلاء

◾️استهداف بيئة الطاقة الخليجية

◾️الضغط على البنية الاقتصادية واللوجستية لدول الخليج

◾️إرباك الأسواق العالمية

◾️وتحويل أي مواجهة موضعية إلى أزمة متعددة الجبهات

وقد أعلن الحرس الثوري بصورة شبه صريحة أن المرحلة القادمة ـ إذا انفجرت المواجهة ـ لن تبقى ضمن الخطوط الحمراء التقليدية، وأن استخدام آلاف الصواريخ والمسيرات سابقًا لا يمثل سقف التصعيد، بل إن الخيارات المقبلة قد تكون “أوسع وأعمق”.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي على المنطقة:

فالخليج لم يعد مجرد ساحة جانبية للصراع، بل قد يتحول إلى مركز الضغط الرئيسي في أي مواجهة طويلة.

بمعنى آخر:

إذا كانت واشنطن تريد إدارة إيران…

فإن الحرس الثوري قد يحاول تحويل إدارة الخصم إلى إدارة فوضى إقليمية مفتوحة.

5️⃣ مضيق هرمز…

   من ممر نفطي إلى سلاح جيواستراتيجي

تدرك إيران أن أهم نقطة ضعف في الاقتصاد العالمي ليست النفط نفسه، بل طرق عبوره.

ولهذا، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي في العقيدة الإيرانية، بل أداة ضغط استراتيجية يمكن عبرها نقل المعركة من الداخل الإيراني إلى الأسواق العالمية.

فأي اضطراب واسع في الملاحة لا يهدد الخليج فقط، بل:

◾️أسعار الطاقة

◾️التضخم العالمي

◾️سلاسل الإمداد

◾️الأسواق المالية

◾️والنمو الاقتصادي الدولي

وهنا تراهن طهران على فكرة مركزية:

العالم قد يتحمل حربًا ضد إيران…

لكنه قد لا يتحمل حربًا طويلة على الطاقة العالمية.

وتشير تحليلات Chatham House وCarnegie Endowment for International Peace إلى أن استراتيجية الضغط الإيرانية باتت تعتمد بصورة متزايدة على رفع كلفة الاستقرار الإقليمي بدل البحث عن مواجهة تقليدية مباشرة.

اترك رد