منبر العراق الحر :
تبدو محاولة بناء فلسفة كردية خالصة عبر استنساخ المسارات الفكرية الغربية ضربًا من العبث الوجودي الحاد. يشبه وعينا الجمعي، بتكوينه الحديث المشوه، طفلًا يزحف وراء طائرة ورقية ممزقة تتقاذفها العواصف.
تتعذر استعادة المراحل التاريخية ذاتها التي قطعها فلاسفة مثل ديكارت وكانط وهيغل، بعد أن أعادوا تشكيل الوعي الإنساني وصياغته من جذوره الأولى. إذ وصل ذلك المسار التاريخي الغربي إلى منتهاه الأقصى، مفرزا إنسانا معاصرا يعاني فراغا روحيا وأزمة وجودية خانقة، تمثل الشرط القاسي للتقدم المادي المتسارع.
تنبع الحاجة الملحة والضرورة التاريخية إلى عودة واعية نحو الداخل الإنساني، متجاوزة فكرة التراجع الانطوائي، لتمهد لاستدارة وجودية حقيقية. نحتاج بجدية إلى صياغة فلسفة أخلاقية تتلائم مع ما بعد الحداثة، تتمحور حول الذات الكردية ببرائتها الفطرية وأصالتها النقية. يجب أن تتسم هذه الفلسفة بالقدرة على مداواة جراح تلك الذات المنهكة وإحيائها من جديد، لتفادي حافة الهاوية.
تتطلب هذه الفلسفة تجذرًا عميقًا في التربة الثقافية والأنطولوجية الكردية، مع إعادة إحياء الأخلاق كمرتكز وجودي صلب. يقتضي ذلك الابتعاد عن هيمنة الإبستمولوجيا ونظرية المعرفة بمفهومها العلموي الصارم الضيق، التي حولت الكثير من الخطابات الفلسفية المعاصرة إلى تجريدات ذهنية جافة، أنتجت إنسانا فارغا من جوهره.
يواجه الفكر الكردي المعاصر أزمة حادة عند نقله للمفاهيم الفلسفية الغربية، حيث تُنزع هذه المصطلحات من سياقاتها التاريخية لتُقحم في بيئة فكرية مغايرة. أدى غياب الهرمينوطيقا الحقيقية للمصطلح الفلسفي إلى تحويل الكثير من الأطروحات المحلية إلى محض صدى لغوي بعيد عن الواقع العملي.
يتطلب تجاوز هذا الانهيار إعادة بناء الجهاز المفهومي الكردي، والاعتماد على التوليد اللغوي النابع من تجربة المعاناة التاريخية، لتفادي الاستهلاك السلبي للمنتج المعرفي الجاهز.
تؤدي عملية استيراد المفاهيم الجاهزة دون فحص جينيالوجي لمكونات المعرفة المحلية إلى انسلاخ مركب، يجد فيه المثقف الكردي نفسه يتحدث بلغة تفكير مفصولة عن شروطه الأنطولوجية. ينتج هذا الفصام المعرفي ذاتًا منقسمة على نفسها، تعيش في الحداثة كقشرة خارجية، محتفظة ببنيتها العميقة المحاصرة بأسئلة الوجود التقليدية غير المحسومة.
يمثل فك الارتباط المعرفي مع الهيمنة الإبستمولوجية الغربية خطوة منهجية لا غنى عنها، لإستنطاق المكبوت الثقافي وإعادة الاعتبار للمخيال الرمزي الكردي كأداة قادرة على إنتاج فكر كوني انطلاقًا من الخصوصية التاريخية.
أزمة المادية والمثالية
دار السجال الفلسفي المركزي لآلاف السنين حول أسبقية الوعي أو الوجود في التأسيس الميتافيزيقي. شطر هذا الانقسام التاريخي الحاد بين المثالية والمادية تاريخ الفكر الإنساني، ووجه مصير البشرية إلى فراغ يعتمد على القطيعة الإبستمولوجية بدل التراكـم المعرفي.
توهم المعسكر المادي العلماني في العصر الحديث حسم المعركة الفكرية لصالحه بشكل قطعي، مستندًا إلى الانتصارات التقنية المذهلة مثل فك شفرة الحمض النووي وغزو الفضاء الفسيح واختراع الأجهزة والكمبيوترات الكوانتومية، ليعلن نهاية المثالية. لكن الوقائع التاريخية أثبتت فشل هذا الإدعاء وزيفه.
حیث أصيبت المادية المتطرفة بعصاب علموي حاد، باختزالها العالم في المادة المحسوسة، وإرجاعها الظواهر الإنسانية المعقدة والمشاعر الوجدانية إلى تفاعلات كيميائية بيولوجية حتمية. تحولت بفعل هذا الاختزال إلى نزعة إقصائية أحادية، ترفض أي شكل من أشكال المعرفة الخارجة عن مقاييسها المخبرية. فتجسدت النتيجة الحتمية في انتقال مفارقة “من العلم إلى الجهل” بأسلوب حديث، جرد الإنسان تمامًا من كينونته الفطرية.
تقدم المثالية رؤية أكثر شمولية للوجود، بجعلها الفكر والشعور ركيزة متينة لتكوين ذات تعترف بوجود قيم وأخلاق متعالية، تشكل تجربة الإنسان الحية، وتؤكد تجاوز الذات للإطار الفيزيقي نحو وعي ودفق روحي متجاوز.
يتداخل وجود هذين المعسكرين بشكل عضوي، بعيدًا عن فكرة انتصار أحدهما. حیث أنتج الصراع التاريخي بينهما حالة بناءة وجدلية حيوية، توازي حاجة الجسم للروح.
لقد أنتجت فلسفة العلم دون أفق مثالي معرفة أداتية مجردة من الأخلاق، تهدد البشرية بالخراب، وتجعل العلم أشبه بقطار مسرع منطلق بلا فرامل. بينما أنتجت المثالية المنكفئة في كهوف التهرب من الواقع أفرادًا عديمي الجدوى، رغم امتلاكها القدرة على توفير الأخلاق ورفد الوجود بالمعنى الصوفي، بشرط تجاوزها للخطابات العقائدية المتيبسة.
أخفقت كلتا الفلسفتين في الوفاء بوعودهما التاريخية تجاه البشرية. أسفرت المثالية عن تكبيل الأفراد بسلاسل عقائدية صلبة، وجردت الإنسان من حسه العلمي الدافع نحو التطور، وأغدقت على مريديها وعودًا بعوالم خرافية وقصصًا أُقحمت على الموروث الديني، تغيب عنها أي صلة بالمنطق التحليلي. كما تبددت وعود المادية بصياغة عالم متكامل، بمجرد شروعها في إنتاج أدوات الدمار الشامل، جالبة الحروب والويلات المتلاحقة على الوجود البشري.
يتكشف مصطلح “البعد الثالث” هنا كمسار ضروري، قادر على صهر الأضداد في انسجام مطلق، لإنهاء الصراع بصورة لا رجعة فيها. يطمح البعد الثالث إلى تأسيس حقيقة علمية مثالية، تجد مستقرها العميق في مفهوم النسبية، وتتلاشى معها الحدود الصارمة بين المادة والروح، لتشكيل هذا التناغم الكلي.
الأنطولوجيا الكردية ورأس المال الأخلاقي
في خضم التخبط العالمي وانعدام اليقين، يعبر “البعد الثالث” تقييما دقيقا للأفكار المطروحة، لتفادي الإستلاب الحديث. حيث تخفي فكرة المواطن العالمي شكلاً نمطيًا من العبودية المقنعة، التي تحول الإنسان إلى أداة وظيفية صماء، مفتقرة للحدس والمتعة الحقيقية.
يبرز المعيار الوجودي المرتبط بالنتائج والمخرجات الإنسانية الملموسة كأداة ضرورية لقياس نجاح الأيديولوجيات والأديان والخطابات المعاصرة. يشهد التاريخ المادي والأخلاقي على طبيعة الفردية الفاعلة التي أنتجتها المنظومات الاشتراكية والرأسمالية على مدار قرون طويلة.
يكشف تطبيق هذا المعيار على العالم المتقدم عن إنتاج فرد آلي روبوتيكي مستلب. يحقق هذا الإنسان الإرادات المادية الوفيرة، ليعاني اختناقًا روحانيًا كاملًا إثر فقدانه جوهره الإنساني في غمرة انتصاراته التقنية.
تعيد هذه المفارقة الحادة إلى الأذهان مناخات رواية “سدهارتا” للكاتب هيرمان هيسه، حين يكرر الابن معاناة الأب في مسار معكوس. يهرب البطل من الحياة المادية الناجحة في المدينة، عائدًا إلى النزعة البوذية للتنقيب عن الوجدان والروح التي طمستها ثقافة الاستهلاك الآلي.
يفرض استمرار الأمة الكردية وحفاظها على كينونتها لغزًا وجوديًا يتجاوز الطرح الفكري العالمي المعتاد. لقد قاومت هذه الأمة الاندثار عبر التاريخ الطويل، رغم موجات الاحتلال ومحاولات الإبادة الممنهجة المستمرة. يرتبط هذا الصمود الأنطولوجي برأس المال الأخلاقي المتجاوز للقوة العسكرية والموارد الاقتصادية. يتمثل هذا المعطى العميق في تراكم قيمي هائل من النزاهة الرفيعة، المتجذرة في البنى الأسطورية والفولكلور الكردي الأصيل، المحفوظ بطريقة شفهية عابرة للأجيال.
تمثل عظمة المرأة الكردية المصدر الرئيسي والحارس الأنطولوجي لديمومة هذا الرأسمال الأخلاقي. شكلت المرأة حجر الزاوية والركيزة الأولى في هندسة الاستمرار والبقاء الكردي، متجاوزة الوظيفة التقليدية الضيقة.
لقد تولت هندسة الوجود الاجتماعي بكليته، عبر تقديم الرعاية الشاملة وحفظ النسيج الاجتماعي، محتضنة أعباء الوجود التاريخي بكامله. اضطلعت في الهزيع الأخير بأهم مهمة وجودية، حين كانت تسرد أساطير الحكايات الشعبية لأطفالها، لتعبر عن تاريخ كامل من الشيم الأخلاقية وقوة الروح.
مثلت هذه السرديات القناة الحيوية والوسيلة الأساسية لنقل الأسطورة التأسيسية بين الأجيال. حیث شكلت المرأة المصرف الوجودي للأخلاق والقيم الكردية، لضمان استمرار كينونة الأمة وسط حسابات تاريخية ومادية كانت تنذر بزوالها المحتوم. صانت الذات الفطرية المنبثقة من الطبيعة، للحفاظ على بعدها الأنطولوجي ومضمونها الحيوي في وجه التقدم المادي الكوني.
يثبت التاريخ الحديث عجز الأفكار والأيديولوجيات المستوردة التوسعية عن إيجاد موطئ قدم في البيئة الكردية دون توافقها مع المنظومة الثقافية والقيمية المحلية. تبدي المجتمعات المشكلة من منظومة متماسكة ممانعة صلبة لرفض الأفكار الوافدة، دفاعًا عن انسجامها البنيوي الداخلي. بینما تزداد قابلية تقبل الأفكار التغريبية لدى المجتمعات المفتقرة للمناعة الثقافية. نجحت الماركسية كأداة تحليل اقتصادي في بعض النخب الكردية، لكنها عجزت عن إيجاد حاضنة حقيقية بين الجماهير العريضة، نتيجة انفصال قيمها عن الموروث المحلي.
تتطلب الأيديولوجيات الجديدة تحقيق إجماع فكري يصوغه المثقفون العضويون، لتحويلها إلى خطاب مجتمعي مؤثر. لقد تعذر تحقيق هذا التموضع مع المستورد الثقافي في كردستان، بفضل الخطاب الأصيل الذي سهرت المرأة على حفظه عبر التقاليد الشفاهية المتجذرة، والمقاومة لمحاولات التشويه والاغتراب.
يستدعي شبح الانهيار الذاتي المحيط بالواقعين المحلي والعالمي تفادي استنساخ النماذج النمطية الفاشلة. يفرض المسار الوجودي المتبقي تأسيس فلسفة تختزل صراع الأضداد نحو الانصهار الكلي في بوتقة “البعد الثالث”، الذي ينتقل في حركة تصاعدية من الداخل إلى الخارج. تستمد هذه الفلسفة مشروعيتها من استنطاق رأس المال الأخلاقي الهائل المخزون في الذاكرة الجمعية الحية، مبتعدة عن محاكاة المدارس الغربية أو الشرقية.
تشكل المرأة محور هذه الفلسفة الأخلاقية الكردية وبؤرتها التأسيسية الأولى، لدعم استدراك أنطولوجي عميق ينأى عن الانغلاق والتقوقع. تهدف هذه المحاولة الجادة إلى إنقاذ الذات البريئة من تغول الآلة المادية والعولمة المسطحة، مع إعادة الاعتبار لمفهوم الأخلاق كقوة وجودية مقاومة في وجه العدم. يقدم بقاء الكرد واستمرارهم دليلاً ساطعًا على فاعلية الأخلاق المتجذرة في الحرکات الصوفیة شخصیة المرأة الحارسة، ليصبح هذا السر الجوهري المستند إلى “البعد الثالث” طوق نجاة لإنسان العصر الحديث المنهك بالمادية الطاحنة وفقدان المعنى.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر