حين تتحول المنصّات إلى مستنقع… من يوقف فوضى المحتوى الهابط في العراق…؟..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في زمنٍ تحوّلت فيه منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحاتٍ مفتوحة كان من المفترض أن تكون هذه المساحات منابر للوعي وجسورًا للمعرفة ومرايا تعكس تطوّر المجتمعات وثقافتها. غير أنّ ما نشهده اليوم في العراق وعلى وجه الخصوص عبر ما يُعرف بالـ”بلوكرات” و”الفانشستات” يدعو إلى القلق العميق والتوقّف الجاد أمام ظاهرة باتت تُهدّد الذوق العام وتُسيء إلى صورة المجتمع وتُفرغ هذه المنصّات من أي محتوى هادف أو قيمة حقيقية.
لقد تحوّلت هذه الحسابات في كثير من الأحيان، إلى منصّات للصخب والابتذال تُبنى شهرتها على الألفاظ البذيئة والإثارة الرخيصة وإشعال الخلافات والتجريح الشخصي دون أي رسالة تُذكر أو مضمون يُحترم. وكأنّ معيار النجاح أصبح عدد المشاهدات، لا قيمة المحتوى وكأنّ الانحدار الأخلاقي بات وسيلةً مختصرة للوصول إلى الأضواء.
إنّ هذه الظاهرة لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد “حرية تعبير” لأن الحرية لا تعني الفوضى، ولا تُبرّر الإساءة ولا تشرعن الانحدار. الحرية الحقيقية ترتبط بالمسؤولية وتُبنى على احترام الذات والآخرين وعلى تقديم ما يُضيف لا ما يُفسد. وما يحدث اليوم يتجاوز حدود التعبير إلى حالة من التسيّب الرقمي الذي ينعكس سلبًا على فئة الشباب خصوصًا أولئك الذين يتأثرون بسهولة بما يُعرض أمامهم بشكل يومي.
الأخطر من ذلك أنّ هذه المحتويات تُسهم في خلق بيئة مشوّهة للقيم حيث يصبح السبّ والشتم مادة ترفيه، ويُنظر إلى الانحطاط كنوع من الجرأة أو “الواقعية”. وهنا تكمن الكارثة حين يُعاد تشكيل الوعي الجمعي على أسسٍ هشة، بعيدة عن الأخلاق ومنفصلة عن تاريخ العراق العريق الذي كان دائمًا منارةً للعلم والأدب والفكر.
العراق هذا البلد الذي أنجب العلماء والشعراء والمفكرين لا يليق به أن تُختزل صورته في مقاطع سطحية أو مشاحنات فارغة أو محتوى هابط يفتقر إلى أبسط مقومات الاحترام. إنّ الحفاظ على الهوية الثقافية والمجتمعية مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند المؤسسات.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى دور فاعل للوزارات والمؤسسات المعنية كوزارة الثقافة ووزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات وغيرها من الجهات ذات العلاقة. لا بد من وضع ضوابط واضحة تُنظّم المحتوى الرقمي وتحدّ من الانفلات الأخلاقي دون المساس بحرية التعبير المسؤولة. كما ينبغي دعم وتشجيع صُنّاع المحتوى الهادف الذين يقدّمون العلم والثقافة والفن الراقي ليكونوا هم الواجهة الحقيقية للمجتمع.
إلى جانب ذلك لا يمكن إغفال دور الأسرة والمدرسة في توعية الأجيال الجديدة وتعزيز الحسّ النقدي لديهم ليميزوا بين الغثّ والسمين وبين ما يُبنى عليه وما يجب تجنّبه. فالمعركة اليوم ليست فقط مع المحتوى بل مع الوعي ذاته.
إنّ ما نحتاجه ليس قمعًا أعمى بل تنظيمًا واعيًا ورؤية واضحة تُعيد التوازن إلى الفضاء الرقمي وتُعيد الاعتبار للكلمة الراقية والفكرة النبيلة.والمحتوى الذي يُحترم.
وفي الختام، يبقى السؤال معلقًا: هل نرضى أن تكون منصّاتنا مرآةً للفوضى والانحدار أم نرتقي بها لتكون منابر تليق بتاريخ العراق ومستقبله…؟
الجواب ليس بيد جهة واحدة بل هو مسؤولية الجميع… لأن الكلمة في نهاية المطاف إمّا أن تبني وطنًا أو تُسهم في هدمه…
د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد