منبر العراق الحر :
التقرير الاستراتيجي الثاني:
خفايا نزيف الميدان والدور الكابح لـ “الدولة العميقة” في واشنطن
يرتبط استمرار الحروب المفتوحة في الشرق الأوسط ارتباطاً وثيقاً بنوعين من الأوهام: وهم التكنولوجيا القادرة على الحسم السريع، ووهم الصمود القادر على تجاهل كلف الدمار. ومع تحول الصراع الأخير (بحلول مايو 2026) إلى معركة استنزاف مكتومة، رُفعت الستائر السياسية لتكشف عن خسائر حقيقية غير مسبوقة للأطراف كافة، مما جعل الرهان على عقلانية “القادة” مقامرة وجودية، ليتجه الإيمان الاستراتيجي نحو لاعب خلفي حاسم: المؤسسة الراسخة أو “الدولة العميقة” في واشنطن.
كواليس الخسائر المكتومة
وعجز “الحسم التكنولوجي”
وراء البيانات الحماسية وشعارات “نحن نحارب لننتصر” التي تُردد أمام لجان الكونغرس الأمريكي، تُخفي الأرقام الميدانية المسربة واقعاً مغايراً يوضح مخاطر الاستمرار في هذا المنزلق الصِفري، حيث يتبادل الطرفان ضربات كاسرة للعظم تدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية:
1. الاستنزاف اللوجستي والعسكري الأمريكي: “تآكل مظلة الردع”
شطب واستهداف المنشآت الحيوية: وثقت التقارير الاستخباراتية وصور الأقمار الصناعية (بما فيها رصود لصحيفة The Washington Post) أضراراً واسعة شملت تدمير واستهداف أكثر من 228 منشأة وموقعاً للمعدات العسكرية الأميركية، وتعرّض 16 موقعاً استراتيجياً لضربات صاروخية ومسيرات انقضاضية مباشرة أحدثت أضراراً متفاوتة في البنية التحتية الدفاعية [The Atlantic, مؤسسة بروكينغز].
شلّ ألوية الدفاع الجوي: ركزت الضربات على استهداف أجهزة الرادار الثمينة وقباب الاتصالات الفضائية لمنظومات الإنذار المبكر الحيوية (مثل رادار AN/FPS-132 في قطر)، بهدف حظر قدرة “باتريوت” على رصد الموجات الصاروخية التالية، مما جعل قواعد عسكرية في 8 دول إقليمية غير صالحة للاستخدام جزئياً نتيجة دقة التوجيه المعتمدة على تقنيات ملاحة متطورة.
الإنهاك التشغيلي للبحرية: واجهت البحرية الأمريكية تحدياً عملياتياً ضخماً تمثّل في اضطرارها لسحب حاملة الطائرات الأحدث USS Gerald R. Ford مؤقتاً باتجاه قاعدة كريت لإصلاح أعطال ميكانيكية وضغط تشغيلي متراكم، بالتوازي مع قصف طال مطارات وقواعد دعم لوجستي كبرى في الكويت (مثل معسكر بيورينغ وقاعدة علي السالم) وفي الإمارات والبحرين.
العجز عن حماية الممرات: اعترفت واشنطن ضمنياً بحدود قوتها البحرية الحالية عبر إبلاغ شركات الشحن العالمية بـ”عدم القدرة” على توفير مرافقة أمنية (Escorts) لـ 125 سفينة تعبر مضيق هرمز يومياً، نظراً لتوزع القطع البحرية على جبهات متعددة وعجزها عن تأمين الممر المائي بالكامل.
الفاتورة المالية الباهظة: بلغت الفاتورة المالية المباشرة للأيام الستين الأولى من العمليات أكثر من 71 مليار دولار، ذهب منها نحو 41 ملياراً لتغطية الذخائر الذكية (أكثر من 13,600 ذخيرة ذكية والدفاعية المستهلكة) وإصلاح الأصول المتضررة.
2. النزيف الهيكلي في جبهة “حائك السجاد”: “خراب البيت مقابل العقيدة”
سحق القوة التقليدية وشبكات الدفاع: في المقابل، نجحت الضربات الجوية الأمريكية المركزة في تدمير ما يقرب من 90% من قدرات سلاح البحرية الكلاسيكي الإيراني، وتدمير جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية (وقرابة 85% من منظومات التصنيع وشبكات الدفاع الجوي الحيوية حسب تقارير البنتاغون).
تقويض الذراع الصاروخي والنووي: طال الاستهداف شلّ القدرات الصاروخية ومراكز التصنيع العسكري الإيراني، وتدمير البنى التحتية ومنشآت التخصيب النووي الحيوية بشكل كبير، في محاولة لقطع دابر التهديد من جذوره.
قطع رؤوس القيادة والسيطرة: تكبدت طهران خسارة بشرية نوعية وقاسية باستهداف واغتيال أكثر من 250 قيادياً ومستشاراً عسكرياً من الصف الأول، مما أحدث فجوة كبيرة في آليات القيادة والسيطرة والربط العملياتي مع الفصائل الحليفة في المنطقة.
تآكل خطوط الإمداد العابرة للحدود (قطع الشرايين): أدت الضربات المركزة إلى تدمير أكثر من 70% من مستودعات الذخيرة المتقدمة وممرات الإمداد البرية والجوية الإيرانية في سوريا والعراق، مما قطع “الحبل السري” اللوجستي الذي يربط طهران بأذرعها الإقليمية، وأجبر النظام على استنزاف مخزونه الاستراتيجي الداخلي لتعويض الخسائر، وسط قيود صارمة على سلاسل التوريد وتأمين القطع التكنولوجية الحساسة.
معضلة “عدم الركوع”: بالرغم من هذا الدمار الهائل، فإن طبيعة “حائك السجاد” التاريخية والعقائدية ترفض الاستسلام؛ حيث تبدي طهران استعداداً كاملاً لتحمل “خراب البيت” دفاعاً عن أيديولوجيتها وبقائها السياسي، مما يعطل أي فرصة لفرض تراجع تقليدي عليها عبر الضغط العسكري الصرف، ويجعل الكلفة بلا أفق سياسي واضح لواشنطن.
3. شلل الشرايين الجيوسياسية للعالم:
تصفير حركة الطاقة: أدت المواجهة المباشرة في مضيق هرمز إلى تراجع حركة ناقلات النفط والغاز إلى مستوى الصفر تقريباً.
أزمة الرهائن والناقلات: تسبب النزاع في احتجاز حوالي 20,000 بحار و 2,000 سفينة شحن في مياه الخليج نتيجة الحظر العملياتي المتبادل.
الاشتعال السعري: قفزت أسعار النفط عالمياً بشكل تاريخي لتتجاوز حاجز الـ 126 دولاراً للبرميل، مما نقل كلفة النزاع العسكري مباشرة إلى جيوب المستهلكين وصناع القرار في العواصم الغربية.
معضلة “النرجسي” وفلسفة الحسم الصِفري
تكمن الخطورة الكبرى لميدان الاستنزاف الراهن في استحالة التنبؤ بمآلات وأفق أفكار القائد “النرجسي”؛ فالقرارات هنا لا تخضع لحسابات الجدوى الإستراتيجية التي تضعها مراكز الأبحاث، بل تتحرك بدافع الحفاظ على صورة القوة المطلقة و”الأنا السياسية”.
وعندما تصطدم هذه النرجسية التي ترفع شعار “تغيير النظام” كمعادلة صفرية، بمنهجية عقائدية إقليمية تفضل الموت تحت الأنقاض على الانحناء، تصبح الرقعة بأكملها مهددة بالانفجار والانزلاق نحو مواجهة “غير تقليدية” (سيبرانية شاملة أو تدميرية عابرة للحدود) تحول المشهد فوراً إلى معادلة “خاسر-خاسر” للجميع دون استثناء.
الإيمان بالدولة العميقة كجدار كبح أخير
أمام عجز الحلول الدبلوماسية التقليدية وتداخل الوسطاء كأطراف مباشرة في النزاع لإعادة التموضع، يبرز الإيمان الراسخ بدور “الدولة العميقة” (The Deep State) في واشنطن كصمام الأمان الوحيد المتبقي على رقعة الشطرنج. وينطلق هذا الإيمان الاستراتيجي من محددات بنيوية صارمة:
حسابات البقاء والمنفعة العليا: لا تتحرك المؤسسة الأمريكية العميقة (البنتاغون، وكالات الاستخبارات، كبار المشرعين، وأقطاب المال والنفط) بالأهواء الشخصية أو النرجسية الفردية. إنها تقرأ الأرقام بدقة، وتعلم أن استمرار نزيف الـ 71 ملياراً، وشلل التجارة عبر مضيق هرمز، وارتفاع النفط، هو المسار السريع لإنهاء هيمنة الدولار ودفع الاقتصاد العالمي نحو كساد حاد يخدم الصين وروسيا بشكل مباشر.
فرض “الفرامل” المؤسساتية: عندما يقترب رأس السلطة النرجسي من تجاوز الخطوط الحمر التي تهدد البنية الإستراتيجية للولايات المتحدة ومصالحها العليا، تتدخل الدولة العميقة عبر أدواتها المؤسساتية والتشريعية لفرض التهدئة، وكبح جماح القرارات الانفعالية، وإرغام الإدارة على سلوك مسارات تفاوضية خلفية.
إدارة التراجع الحذر: المؤسسة العميقة هي الطرف الوحيد القادر على صياغة مخرج واقعي يحول الصراع من صيغة “الدمار الصِفري” إلى صيغة تسوية براغماتية مرنة، تدرك من خلالها أن “حائك السجاد” لن يركع، وأن محاولة كسر الرقعة تعني سقوط الهيمنة الامريكية معها.
الخلاصة:
إن اليقين بقدرة الدولة العميقة على التدخل وحسم الأمر خلف الكواليس هو القراءة الأكثر واقعية لتاريخ القوى العظمى. وفي مواجهة حرب استنزاف كشفت الكواليس عن أثمانها الباهظة، يبدو أن كوابح المؤسسة الراسخة في واشنطن هي القوة الوحيدة المؤهلة لإنهاء نرجسية الحسم الصِفري، وإيقاف نزيف الميدان، وإجبار اللاعبين على الجلوس فوق طاولة مفاوضات حتمية لتجنب سيناريو الرماد الشامل.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر