«الشرق الأوسط بين الردع والانفجار» ….الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….تفكيك معادلة الردع، كواليس حرب الظل، وسيناريوهات الانفجار الكبير….

التقرير الاستراتيجي التاسع:عصر الردع الساخن

مقدمة استراتيجية:

يمر الشرق الأوسط بمنعطف جيوسياسي هو الأخطر منذ عقود، حيث تحللت القواعد التقليدية لإدارة الصراعات الإقليمية لصالح مواجهة صفرية مباشرة وعابرة للحدود. إن التحول من “حرب الوكالة” إلى الصدام المباشر يُمثل إعادة صياغة جذرية لمفهوم الردع، حيث تتواجه مدرستان عسكريتان متناقضتان: فلسفة “التفوق التكنولوجي الكيفي والصدمة الخاطفة” التي تمثلها إسرائيل، في مواجهة استراتيجية “العمق الجغرافي والكم الصاروخي وحرب الاستنزاف طويل النفس” التي تتبناها إيران.

ولم يعد هذا الصراع محصوراً في إطاره الميداني، بل بات محركاً أساسياً يعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية؛ حيث تدفع التحولات الراهنة القوى المحيطة إلى البحث عن استقلالية استراتيجية لحماية أمنها القومي ومكتسباتها التنموية بعيداً عن تقلبات المظلات الأمنية الدولية التقليدية. يسعى هذا التقرير الاستراتيجي الشامل إلى تفكيك كواليس هذا الصدام ومقارنة المقومات العسكرية والجيوسياسية للطرفين، مستنداً إلى أحدث المعطيات الاستخباراتية وتقارير مراكز الأبحاث الدولية لعام 2026، مع استشراف سيناريوهات الانفجار الشامل ومواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

المحور الأول:المقارنة العسكرية الاستراتيجية الشاملة (الكم مقابل الكيف)

مدخل: لا تُقاس موازين القوى في الصراع الراهن بالوفرة العددية وحدها، بل بالقدرة على دمج التفوق التكنولوجي الفائق مع العقيدة القتالية والمرونة العملياتية، وهو ما يخلق فجوة دقيقة بين فلسفتين عسكريتين.

وفقاً لتصنيفات مؤسسة Global Firepower لعام 2026، تقع الدولتان في مرتبتين متقاربتين عالمياً (إسرائيل في المرتبة 15 ومؤشر قوة 0.2707، وإيران في المرتبة 16 ومؤشر قوة 0.3199). ومع ذلك، يكشف التحليل المعمق للقدرات خمس فوارق جوهرية:

1. القوة البشرية وهيكل القوات: تمتلك إيران تفوقاً ديموغرافيّاً ضخماً بجيش نشط يضم حوالي 610,000 جندي، مدعوماً بـ 220,000 من القوات شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري. في المقابل، تعتمد إسرائيل على جيش نظامي أصغر حجمًا (حوالي 169,500 جندي) لكنها تمتلك احتياطياً استراتيجياً فائق التدريب والجهوزية يصل إلى 465,000 جندي يمكن حشدهم بالكامل خلال ساعات.

2. سلاح الجو والسيادة الجوية: يمثل هذا المحور نقطة الحسم الإسرائيلية المطلقة؛ حيث يمتلك سلاح الجو الإسرائيلي طائرات الجيل الخامس الشبحية من طراز F-35I “أدير” بالإضافة إلى أساطيل حديثة من طائرات F-15 و F-16 . وعلى الجانب الآخر، يعاني سلاح الجو الإيراني من التقادم التكنولوجي الحاد، حيث يعتمد على طائرات أمريكية وسوفيتية من السبعينيات (مثل F-4 و F-5) بسبب الحظر الدولي الطويل.

3. التسليح البري والقدرات البحرية: تتفوق إيران عددياً في سلاح الدبابات والمجنزرات (نحو 2,675 دبابة مقابل 1,300 لإسرائيل) . وفي البحر، تدير إيران عقيدة “حرب العصابات البحرية” بـ 109 قطع بحرية من ضمنها 25 غواصة صغيرة ومئات الزوارق السريعة قادرة على خنق مضيق هرمز، بينما تمتلك إسرائيل 82 قطعة بحرية نوعية تركز على حماية منشآت الغاز والدفاع والردع عبر غواصات “دولفين” القادرة على حمل صواريخ كروز.

4. الاقتصاد العسكري والموازنات الدفاعية: وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2026، تبلغ الميزانية الدفاعية لإسرائيل حوالي 34.6 مليار دولار (مدعومة بتمويل أمريكي مباشر)، مقارنة بميزانية دفاع إيرانية تبلغ حوالي 9.23 مليار دولار، مما يوضح حجم الفجوة في الانفاق على التطوير التكنولوجي والذخائر الذكية.

5. القدرات الصاروخية والدفاع الجوي: تمتلك إيران أضخم ترسانة للصواريخ الباليستية والمجنحة في الشرق الأوسط (تتجاوز 3,000 صاروخ) وفق تقارير وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA) تشمل صواريخ فرط صوتية ومسيرات “شاهد” الانتحارية منخفضة التكلفة. في المقابل، تمتلك إسرائيل النظام الدفاعي الأكثر تكاملاً في العالم المكون من “القبة الحديدية”، و”مقلاع داوود”، ومنظومات “آرو” (Arrow 2 و3) لصد الصواريخ الباليستية خارج غلاف الأرض الجوي.

المحور الثاني: كواليس وخفايا القدرات العسكرية والأمنية

مدخل: خلف أرقام الجداول الرسمية، تختبئ الأسلحة غير المرئية والتكتيكات السرية التي تدير الحرب الحقيقية في الخفاء، حيث تحسم الاختراقات الأمنية والمنشآت المحصنة مسار الردع.

1. شبكات الاختراق البشري والسيبراني العميقة: تكمن القوة الأشد فتكاً لإسرائيل في قدرة أجهزتها الاستخباراتية (مثل الموساد والوحدة 8200) على التغلغل في البنية الأمنية الإيرانية وحلفائها الإقليميين. وقد تجلى ذلك في تنفيذ اغتيالات بالغة التعقيد لقادة الصف الأول، واختراق شبكات الاتصالات المغلقة والمشفرة، وتدمير المنشآت الحيوية عبر هجمات سيبرانية معقدة دون إطلاق رصاصة واحدة.

2. مدن الصواريخ الإيرانية المحصنة تحت الأرض: رداً على التفوق الجوي الإسرائيلي، أنشأت إيران شبكة أنفاق عملاقة ومحصنة بعمق مئات الأمتار تحت السلاسل الجبلية في أنحاء البلاد. تحتوي هذه “المدن الصاروخية” على منصات إطلاق آلية وسريعة، مما يجعل الترسانة الهجومية الإيرانية محمية من القنابل التقليدية وقادرة على توجيه ضربات انتقامية حتى لو دُمرت القواعد العسكرية الفوق أرضية.

3. عقيدة “امتصاص الألم” مقابل “الحسم السريع”: تتميز إيران بعمقها الجغرافي الشاسع وجغرافيتها الجبلية الوعرة، واقتصادها المتأقلم مع العزلة، مما يمنحها عقيدة عسكرية تقوم على المطاولة واستنزاف الخصم مادياً ونفسياً. في المقابل، تفتقر إسرائيل للعمق الجغرافي، ولا تتحمل جبهتها الداخلية حروب استنزاف طويلة تؤدي لشلل مطاراتها واقتصادها، مما يجعلها تتبنى عقيدة “الصدمة والترويع” ونقل المعركة فوراً لعمق الخصم.

4. الاكتفاء الذاتي العسكري بالهندسة العكسية: نجحت إيران، تحت وطأة الحصار، في تطوير صناعة عسكرية محلية تعتمد على الهندسة العكسية للتكنولوجيا واستخدام قطع غيار مدنية رخيصة متوفرة عالمياً لإنتاج آلاف المسيّرات والصواريخ، مما يجعل خطوط إمدادها غير قابلة للقطع. في المقابل، ورغم تفوقها التصنيعي الفائق، تعتمد إسرائيل في الحروب الطويلة على “جسر جوي أمريكي مستمر” للتزود بالقنابل الثقيلة وصواريخ الاعتراض، مما يمثل قيداً سياسياً وعملياتياً عليها.

5. ثالوث الردع النووي الخفي: تتبنى إسرائيل سياسة “الغموض الاستراتيجي”، لكن مراكز الأبحاث الدولية تؤكد امتلاكها ما يقرب من 90 رأساً نووياً يمكن إطلاقها عبر صواريخ “أريحا” أو غواصات “دولفين” في عرض البحر (خيار شمشون). وفي المقابل، أصبحت إيران وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) “دولة عتبة نووية”، تمتلك اليورانيوم المخصب والقدرة التقنية لإنتاج سلاح نووي في غضون أسابيع إذا اتخذت القرار السياسي.

المحور الثالث: صياغات الواقع الميداني والجغرافيا السياسية

مدخل: على رقعة الأرض، تسقط النظريات وتتحول الأوراق المستورة إلى معادلات نارية تفرض قواعد اشتباك معمدة بالدم، حيث يتداخل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد في جبهة واحدة.

1.معادلة “العمق مقابل العمق” (سقوط جغرافيا الواجهات): انتهى رسمياً عصر حروب الوكالة المحضة؛ فالواقع الميداني الجديد رسخ قاعدة “الأرض مقابل الأرض”. وفي اللحظة التي تشن فيها الطائرات الإسرائيلية غارات على العمق الإيراني، ترد طهران فوراً بإطلاق دفعات صاروخية باليستية مباشرة من أراضيها نحو تل أبيب والقواعد العسكرية الإسرائيلية.

2. عقيدة “ترابط الساحات” الحتمية: فرضت إيران تشابكاً جغرافياً ناريّاً يمنع إسرائيل من الاستفراد بحلفائها؛ حيث بات أي استهداف إسرائيلي حاد للقيادات أو البنية التحتية في الضاحية الجنوبية لبيروت يقابل برد مباشر وتلقائي من طهران . هذا الترابط حول الهلال الخصيب إلى جبهة عسكرية موحدة.

3.حرب الاستنزاف المالي والدفاعي: لا تسعى الاستراتيجية الإيرانية لتدمير المدن الإسرائيلية، بل لإحداث “إغراق دفاعي”. إطلاق المسيرات الرخيصة يجبر منظومات الاعتراض الإسرائيلية باهظة الثمن على العمل بالطاقة القصوى واستهلاك مخزون يكلف مليارات الدولارات. وبالمقابل، تركز إسرائيل ضرباتها النوعية على شل وتعطيل الرادارات والدفاعات الإيرانية (مثل منظومات S-300) لإبقاء الأجواء الإيرانية مكشوفة تكتيكياً أمام سلاح جوها المتفوق.

4. الردع الاقتصادي وعقدة الممرات البحرية: انتقل الصراع إلى شرايين الاقتصاد العالمي؛ حيث توظف إيران حلفاءها (كالحوثيين في البحر الأحمر) لفرض حصار بحري واقتصادي على الموانئ الإسرائيلية، بينما تلوح بفرض قواعد عبور صارمة في مضيق هرمز، مما يقابله استهداف إسرائيلي للمنشآت البتروكيماوية الإيرانية، ليصبح أمن الطاقة العالمي رهينة مباشرة للصراع.

5.التدخل الدولي ككابح اضطراري: يثبت الميدان أن الطرفين يتحركان تحت سقف دولي صارم؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية كـ “صمام أمان” عسكري ودبلوماسي عبر ممارسة ضغوط مكثفة لمنع خروج المواجهة عن السيطرة والتحول إلى حرب شاملة تضر بالمصالح الدولية ومسارات الملاحة.

المحور الرابع: سيناريوهات الانهيار والتحول إلى حرب شاملة

مدخل: رغم دقة “معادلة الرعب” الحالية، إلا أنها تقف على أرضية هشة للغاية، حيث يمكن لشرارة واحدة أو حساب خاطئ أن يقطع شعرة معاوية ويدفع المنطقة نحو الجحيم الإقليمي الشامل.

بناءً على دراسات المحاكاة الاستراتيجية (War Gaming) الصادرة عن مؤسسة راند (RAND) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تنحصر سيناريوهات الانهيار في ثلاثة مسارات:

◾️السيناريو الأول: “الحساب التكتيكي الخاطئ” (Tactical Miscalculation): يحدث عندما ينجح صاروخ باليستي إيراني أو مسيرة انتحارية -نتيجة لخلل تكتيكي في منظومات الدفاع الإسرائيلية- في إحداث مجزرة بشرية كبيرة أو تدمير مقر عسكري حساس في قلب تل أبيب. هذا السيناريو سيخلق ضغطاً شعبياً وسياسياً هائلاً يجبر القيادة الإسرائيلية على تجاوز الرد المحدود والانتقال لـ “حرب كسر العظم” واستهداف المفاصل السيادية في طهران، مما يطلق العنان للمواجهة الكبرى.

◾️السيناريو الثاني: “الضربة الاستباقية لعتبة الردع النووي”: ينطلق هذا السيناريو إذا رصدت الاستخبارات الغربية مؤشرات قطعية على بدء إيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% (الدرجة العسكرية) وتركيب رؤوس نووية على صواريخها. هنا، وتطبيقاً لـ “عقيدة بيغن”، سيشن سلاح الجو الإسرائيلي ضربة هجومية واسعة وعنيفة لتدمير منشآت “نطنز” و”فوردو” المحصنة تحت الأرض. ولن يقتصر الرد الإيراني حينها على إسرائيل، بل سيشمل قصف القواعد الأمريكية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز لخلط الأوراق دولياً.

◾️السيناريو الثالث: “إغراق الجبهة الشمالية وشلل الداخل الإسرائيلي”: تدرس مؤسسة راند (RAND) هذا السيناريو بكثافة؛ حيث ينفجر الوضع برياً على الحدود اللبنانية، ويطلق حزب الله آلاف الصواريخ الدقيقة والوزنية يومياً باتجاه الموانئ وحقول الغاز ومحطات الطاقة الإسرائيلية لإصابة الدولة بالشلل التام. ولتمنع إسرائيل من سحق ذراعها الأقوى عبر تدمير لبنان، ستتدخل إيران بثقلها الصاروخي المباشر من العمق، متزامنة مع هجمات من العراق واليمن، مما يجبر واشنطن على الدخول العسكري المباشر لحماية إسرائيل من الانهيار.

النتيجة الحتمية للحرب الشاملة (حسب معهد SIPRI)

يؤكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن هذا الصدام الشامل لن ينتج عنه رابح، بل “خراب مشترك”:

◾️إسرائيل: ستواجه تدميراً غير مسبوق لبنيتها التحتية المدنية والاقتصادية (محطات الطاقة، موانئ حيفا وأسدود، حقول الغاز) وشللاً ديموغرافياً طويلاً قد يؤدي إلى هجرة عكسية لرؤوس الأموال والعقول.

◾️إيران: ستتعرض منشآتها النفطية والعسكرية والنووية لتدمير هائل سيعيد البلاد عقوداً إلى الوراء، مما يهدد الاستقرار الداخلي والنظام السياسي نتيجة الانفجار الاجتماعي العنيف والاقتصاد المشلول.

المحور الخامس: رصد مواقف القوى الإقليمية والدولية

مدخل: ترفض القوى الإقليمية المحيطة أن تكون وقوداً في حرب لا تخدم مصالحها، مما يدفعها لبناء جدران دبلوماسية سميكة لحماية حدودها وأنظمتها من شظايا الانفجار.

1. دول الخليج العربي (عقيدة “الاستقلالية الاستراتيجية وحماية المكتسبات”)

تتبنى دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، موقفاً صارماً يقوم على الحياد الإيجابي وعدم الانجرار. وقد اتخذت قراراً استراتيجياً بمنع استخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية لشن ضربات ضد إيران. وفي ظل قناعتها المتزايدة بإمكانية خذلان الحلفاء الغربيين (واشنطن ولندن) في لحظات الحسم رغم اتفاقيات الدفاع المشترك، اتجهت دول الخليج نحو “الاستقلالية الاستراتيجية”: توظيف قدراتها المالية الهائلة، تنويع تحالفاتها نحو الصين وروسيا والهند، وتوطين التكنولوجيا والصناعات العسكرية، والاعتماد على الكفاءات الوطنية الشابة لإدارة أمنها وحماية مشاريعها التنموية (مثل رؤية 2030) من أي تداعيات كارثية.

2. جمهورية مصر العربية (عقيدة “تأمين الشرايين والأمن القومي وضبط الحدود”)

ترى مصر في هذا الصدام تهديداً استراتيجياً مباشراً؛ حيث يتسبب تصعيد الجبهات البحرية (هجمات الحوثيين) في خنق الملاحة في قناة السويس وتعميق أزمتها الاقتصادية. تتحرك القاهرة كـ “وسيط عقلاني” يرفض تصفية القضية الفلسطينية أو تهجير سكان غزة، ويمارس ضغوطاً سياسية لمنع تمدد الصراع إلى سيناء أو البحر الأحمر، معتبرة استقرار الإقليم خطاً أحمر لأمنها القومي.

3. تركيا (عقيدة “التوازن البراغماتي وحفظ الموازين”)

تتحرك أنقرة برأسين: خطاب أيديولوجي حاد يدين إسرائيل علناً لكسب النفوذ الشعبي والإقليمي، وسياسة براغماتية كواليسية حذرة. تركيا لا تريد فوزاً إيرانياً ساحقاً يمد النفوذ في سوريا والعراق على حدودها الجنوبية؛ لذا تفضل بقاء الطرفين في حالة “استنزاف متبادل” يحفظ ميزان القوى الحالي، مع تقديم نفسها كقوة وسيطة قادرة على التحدث مع جميع الأطراف.

️ 4. العراق (عقيدة التوازن الحذر ومنع الانزلاق)

يقف العراق في قلب التفاعلات الجيوسياسية للصراع الإيراني–الإسرائيلي بوصفه إحدى أكثر الساحات حساسية وتأثرًا بتداعياته المباشرة. فوجود المصالح الأمريكية، وتشابك العلاقات مع إيران، وارتباط العراق اقتصاديًا واستثماريًا بمحيطه الخليجي، يضع بغداد أمام معادلة معقدة تقوم على منع تحويل أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى المتصارعة. ولهذا تتجه السياسة العراقية الرسمية إلى تبني مقاربة تقوم على التهدئة الإقليمية، وحماية الاستقرار الداخلي، وتحييد الساحة العراقية عن أي تصعيد عسكري مباشر. غير أن الموقع الجغرافي للعراق وطبيعة التوازنات القائمة فيه يجعلان من قدرته على البقاء خارج دائرة الصراع تحديًا مستمرًا، خصوصًا في حال توسعت المواجهة أو انتقلت إلى مرحلة استهداف المصالح والقواعد والبنى اللوجستية في المنطقة.

5. القوى الدولية (واشنطن وموسكو وبكين)

تتحرك الولايات المتحدة مجبرة كضامن أمني وعسكري لإسرائيل، لكنها تبذل جهوداً استخباراتية مضنية لمنع الحرب الشاملة التي ستستنزف مواردها وتجبرها على العودة العسكرية للشرق الأوسط. في المقابل، ترقب روسيا والصين هذا الصراع بابتسامة استراتيجية؛ فاندلاع حريق شامل يستنزف الموارد الأمريكية والغربية، ويشتت الانتباه عن جبهة أوكرانيا وتايوان، ويمنح بكين وموسكو فرصة ذهبية لتعزيز نفوذهما الجيوسياسي والاقتصادي كبديل دولي صاعد.

المحور السادس: آفاق التسوية والتفاوض في ظل معادلات الردع الجديدة

مدخل: حينما تعجز المدافع عن حسم الصراع بالكامل، تتحول الطاولات الدبلوماسية إلى ميدان بديل لتثبيت الإنجازات العسكرية، لكن بشروط وقواعد صاغتها الصواريخ الباليستية.

وفقاً لـ مجموعة الأزمات الدولية (ICG)، فإن المعادلات الميدانية الجديدة فرضت تحولاً جذرياً في مسارات التفاوض، وتتلخص معالمها المستقبلية في ثلاثة أبعاد:

1.الانتقال إلى مسار “الصفقة الشاملة” (Grand Bargain): سقطت كلياً استراتيجية “تفكيك الجبهات” أو الحلول الجزئية المنفردة. لن تنجح أي تهدئة في غزة أو لبنان بمعزل عن طهران، والعكس صحيح. أي تفاوض حقيقي مستقبلي سيتطلب “اتفاق حزمة واحدة” يشمل ترسيم الحدود البرية والبحرية، وتراجع القوات غير النظامية لخطوط آمنة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات عن إيران ووضع سقف لبرنامجها النووي.

2.عقيدة “التفاوض تحت النار” الحافة بالهاوية: أصبحت المسيرات والصواريخ هي الحبر الذي تُكتب به مسودات الاتفاقيات؛ حيث يسعى كل طرف لتوجيه ضربة نوعية أو تنفيذ اغتيال حساس عشية أي جولة تفاوضية لتعزيز أوراقه الضغطية . سيتسم التفاوض بالمطاولة والتعقيد، مستنداً من جهة إلى القدرة التدميرية والاختراقات الإسرائيلية، ومن جهة أخرى إلى قدرة إيران وحلفائها على تحمّل الألم وإلحاق الخسائر الاقتصادية والنفسية بالداخل الإسرائيلي.

3.صياغة نظام أمني إقليمي عبر “الوكلاء الدوليين”: لن تشهد الطاولات جلوساً مباشراً بين طهران وتل أبيب، بل ستدار عبر وسطاء دوليين وإقليميين. ستكون واشنطن الضامن الوحيد لأمن إسرائيل وحدود ردعها، بينما ستلعب الصين وروسيا دور “العمق الدبلوماسي والاقتصادي” لإيران لضمان عدم انهيارها تحت الضغط. إن التوافق الأمريكي-الصيني الضمني حول حماية ممرات الطاقة العالمية وحركة التجارة سيكون هو الموجه والمكبح الأساسي الصانع لأي اتفاق سلام أو هدنة مديدة قادمة في المنطقة.

️ 4. صعود نموذج التسويات المؤقتة بدل الحلول النهائية : تشير التجارب الإقليمية خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع فرص التوصل إلى تسويات نهائية وشاملة للصراعات المعقدة، مقابل صعود نمط جديد يقوم على إدارة الأزمات عبر تفاهمات مرحلية واتفاقات محدودة الأهداف. وفي هذا السياق، قد تتجه القوى المنخرطة في الصراع الإيراني–الإسرائيلي إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة تقلل احتمالات الانفجار الشامل دون معالجة الجذور العميقة للخلافات. ووفق هذا المنطق، قد يصبح الاستقرار النسبي هدفًا بحد ذاته، بينما تؤجل القضايا الكبرى إلى مراحل لاحقة، بما يجعل المنطقة تعيش لفترات طويلة في ظل توازنات هشة قابلة للاهتزاز لكنها قادرة على منع الانهيار الكامل.

خاتمة استراتيجية:

إن “معادلة الرعب” بين إيران وإسرائيل قد تجاوزت مرحلة الاستعراض والردع النفسي، ودخلت طور الصياغة الحقيقية بالذخيرة الحية والضربات المباشرة من العمق إلى العمق. ويؤكد التحليل المعمق للقدرات والكواليس أن هذا الصدام لا يمكن حسمه بنصر عسكري تقليدي ساحق لأي من الطرفين؛ فالتفوق التكنولوجي والجوي الإسرائيلي يصطدم حتماً بالمدن الصاروخية المحصنة والعمق الجغرافي وحرب الاستنزاف الإيرانية الممتدة عبر الساحات الإقليمية.

وفي ظل هشاشة هذه المعادلات وخطر انقطاع “شعرة معاوية” نتيجة حساب ميداني خاطئ أو شرارة من حليف غير منضبط، فإن المنطقة تقف على شفا سيناريوهات مرعبة تقود نحو “الخراب المشترك” وشلل شرايين الاقتصاد العالمي وتدمير البنى التحتية الحيوية للطرفين.

هذا التهديد الوجودي غير المسبوق هو الذي دفع القوى الإقليمية المحيطة، لا سيما دول الخليج العربي، إلى مغادرة عباءة الاعتماد الأمني التقليدي على الغرب، وانتهاج سياسة “الاستقلالية الاستراتيجية” القائمة على تصفير المشاكل، وبناء القوة الذاتية، وتنويع التحالفات الدولية لحماية مكتسباتها التنموية ورأس مالها البشري المتطور.

وفي نهاية المطاف، فإن صراع “نفس حائك السجاد” الإيراني أمام “نرجسية الغموض والصدمة الخاطفة” الإسرائيلية لن ينتهي على جبهات القتال، بل سيجبر القوى العظمى والوكلاء الدوليين على الجلوس لصياغة نظام أمني إقليمي جديد للشرق الأوسط، يعترف فيه كل طرف بحدود قوة الآخر، ويتعلم فيه الجميع التعايش تحت ظلال الردع المتبادل، أو الانزلاق نحو انفجار تاريخي يعيد رسم الخرائط السياسية والجغرافية للمنطقة من نقطة الصفر.

ومع ذلك، فإن خطورة المشهد الراهن لا تكمن فقط في احتمالات الانفجار، بل أيضًا في كونه يدفع جميع الأطراف تدريجيًا إلى إعادة اكتشاف حدود القوة وحدود القدرة على التحمّل. فكلما ارتفعت كلفة المواجهة المباشرة، واتسعت دائرة المخاطر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار الإقليم، ازدادت القناعة بأن هذا الصراع، مهما بلغ من حدّة، لن يستطيع إنتاج حسم نهائي لطرف واحد. ومن هنا قد تتحول معادلات الردع المتبادل نفسها، التي تبدو اليوم عاملًا لتأجيل الانفجار، إلى أرضية تدفع مستقبلًا نحو تفاهمات أوسع وترتيبات أمنية جديدة، ليس لأن الخصوم اقتنعوا ببعضهم البعض، بل لأن كلفة البدائل الأخرى أصبحت أكثر خطورة من الجلوس إلى طاولة التفاوض.

اترك رد