منبر العراق الحر :
في صباحٍ قائظ من صيف العراق، كان عليٌّ ابن التاسعة عشرة يقف على ضفة دجلة قرب تكريت… ؛ لم يكن يفكر بالحرب ولا بالموت؛ كان يفكر بأمه التي تنتظر عودته، وبأخته الصغيرة التي وعدها أن يجلب لها حقيبة مدرسية جديدة، وبأبيه الذي كان يردد دائماً: “الوطن يستحق التضحية يا علي .”
نعم , لم يكن علي قد تجاوز التاسعة عشرة من عمره، لكن ملامحه كانت تحمل خطوطًا أكبر من سنواته؛ خطوطًا رسمها قلق الأمهات العراقيات وخوف الآباء من غدٍ لا يأتي أبدًا.
ففي الصيف القاتل من عام 2014، وجد نفسه ببدلته العسكرية في قاعدة “سبايكر” بتكريت، يرتجف لا خوفًا من الموت، بل شوقًا لمدينة “الديوانية” البعيدة، حيث تنتظره والدته لتزفّه عريسًا بعد أن تنتهي دورته العسكرية .
كان علي يمثل جيلًا عراقيًا كاملًا؛ جيلٌ وُلد في الحروب، ونشأ في الحصار، وترعرع على أصوات الانفجارات… ؛ جيلٌ وجد نفسه ضحية لتركة سياسية ثقيلة، وصراعات طائفية غُذيت لسنوات حتى تحولت إلى وحش كاسر يلتهم أبناء الوطن الواحد.
لم يكن علي يرى في تكريت أرضًا غريبة، بل جزءًا من خريطة بلاده التي يحفظها بقلبه، لكن السياسة والطائفية قررتا أن تجعلا من جغرافية الوطن حقولًا للموت.
سقطت القاعدة ( سبايكر ) ، ومعه سقطت آلاف الأحلام… ؛ أُسر الشاب الاسمر مع المئات من رفاقه، ساروا مطأطي الرؤوس تحت أشعة الشمس الحارقة، يسوقهم فتيةٌ ورجال من ابناء الفئة الهجينة الحاقدة والذين تشربت عقولهم الحقد والكراهية والبغضاء … ؛ يرتدون السواد وكأنهم غرباء عن هذه الأرض ومياه نهرها.
وحين أحاط به مجرمو تنظيم داعش مع مئات الشباب، أدرك أن الطريق الذي كان يظنه عودةً إلى البيت قد تحول إلى طريقٍ آخر لا عودة منه.
في اللحظات الأخيرة، عُزلعلي… ؛ وقف أمامه أحد جلادي تنظيم “داعش”، عيناه تلمعان بنشوة القوة الزائفة، حاملًا بيده سكينًا وفي الأخرى مسدسًا، يختصر في ملامحه أقسى دلالات الوحشية التي أنتجتها سنوات التخريب الاجتماعي والفكري.
دارت بينهما المحاورة الأخيرة، محاورة تختزل قهر إنسان بريء أمام آلة دمار هجين أعمى:
* الجلاد: راح تموت.
* أحمد (بنبرة توسل بائسة، يبحث عن قشة أمل وسط الطوفان): ما بيها تسهيل امر؟
* الجلاد (بجمود وطائفية مقيتة كفّرت الآخر واستباحت دمه): لو تنطينا مليارات ما تصير ويانا، انت مرتد… ؛ تريد طلقة لو سجينة؟
ساد صمتٌ ثقيل.. , كان عليّ يعلم أن الكلمات لن تغيّر شيئاً، وأن الحكم قد صدر قبل أن يتكلم.
* أحمد (بقلب مكسور، يفضل الموت السريع على العذاب، ملتفتًا بنظره نحو نهر دجلة القريب): لو شاديلي عبوة وذابيني بالشط احسن لي!
لم تكن الكلمات مجرد حديث عابر؛ كانت إدانة صارخة… ؛ “مابيها تسهيل أمر؟” هي العبارة العراقية البسيطة التي طالما استخدمها العراقيون في دوائرهم الرسمية، وفي حياتهم اليومية لتخطي العقبات، لكنها هنا تحولت إلى رجاء أخير أمام جدار طائفي وسياسي واجرامي صلد لا يعرف المرونة ولا الإنسانية ولا الغيرة ولا النخوة العراقية .
ثم سأله القاتل الارهابي :
تريد طلقة لو سجينة؟
أطلق الجلاد رصاصته، وسقط علي.. , سقطت معه ضحكة أمه، وانكسر ظهر أبيه، وغرقت في نهر دجلة أحلام شاب كان كل ذنبه أنه أراد أن يحمي وطنًا خذلته السياسة، ونهشته الطائفية، واستباحت دماءه أيادٍ مجرمة هجينة .
تلونت مياه دجلة باللون الأحمر، لتبقى فاجعة “سبايكر” جرحًا غائرًا في الذاكرة العراقية، وشاهدًا على كلفة الدماء التي يدفعها الفقراء دائمًا ثمنًا لصراعات الكبار.
لكن الحكاية لم تنتهِ هناك.
فبعد سنوات، نسي الناس أسماء كثير من القتلة والذباحة ، وضاعت وجوههم في ظلام التاريخ، بينما بقي وجه ذلك الفتى حاضراً في ذاكرة العراق… ؛ بقيت كلماته الأخيرة شاهداً على لحظةٍ اختُبر فيها الإنسان بأقسى ما يمكن أن يختبر به: أن يقف أعزل أمام الكراهية.
لم يكن عليّ يمثل طائفةً ولا مدينةً ولا عائلةً فحسب؛ كان يمثل جيلاً كاملاً وجد نفسه بين فكيّ التطرف والطائفية والعنف السياسي… ؛ جيلاً دفع ثمن صراعاتٍ لم يصنعها، وأحلامٍ لم يُتح له أن يحققها.
لقد أراد القتلة والذباحة أن يحولوا أبناء الوطن إلى هوياتٍ متناحرة، وأن يقسموا العراقيين إلى معسكراتٍ من الخوف والدم… ؛ لكن المأساة كشفت حقيقةً أخرى: أن الموت كان يستهدف العراق كله، وأن الضحية حين تسقط لا تسأل عن مذهبها، بل عن أمٍ ستبكيها، وبيتٍ سيفتقدها، ومستقبلٍ انطفأ قبل أن يبدأ.
وهكذا رحل الفتى ابن التاسعة عشرة، وبقي السؤال معلقاً فوق ضفاف دجلة:
كم حلماً غرق مع أولئك الشباب؟
وكم وطناً يُقتل حين تُقتل إنسانية الإنسان؟
لقد خسر عليّ حياته في ذلك اليوم، لكن العراق ربح اسماً جديداً في سجل الذاكرة؛ اسماً يذكر الأجيال بأن الطائفية حين تتحول إلى سلاح، والتطرف حين يرتدي ثوب الدين، لا يقتلان الأفراد فحسب، بل يقتلان معنى الوطن نفسه.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر