منبر العراق الحر :
الدولة بوصفها سلطةً ومؤسسات ، تصدر القرارات وفق الدستور والقانون، والجهات المختصة تتولى تنفيذها، والمواطنون والجماعات والأطراف السياسية يلتزمون بها، وهذه من القواعد الأساسية في إدارة الدولة الحديثة، وفي مفهوم العقد الاجتماعي الذي ناقشه فلاسفة ومفكرو السياسة والاجتماع، من جان جاك روسو إلى ماكس فيبر، وصولًا إلى يورغن هابرماس.
مَنْ لا يعرف قواعد إدارة الدولة، أو لا يتعلمها، لا يقودها إلى الفشل فحسب، بل قد يدفعها إلى متاهات الضياع وفقدان هيبتها وقدرتها على فرض القانون.
وحين تصدر الدولة العراقية، عبر مؤسساتها الدستورية وممثليها السياسيين والأمنيين، قرارات واضحة بمنع أي نشاط مسلح يتعارض مع القانون أو يهدد أمن الدولة وعلاقاتها مع دول الجوار، فإن هذه القرارات ينبغي أن تُنفَّذ بحزم وصرامة، بعيدًا عن المجاملة أو الاستثناء أو ازدواجية المعايير.
أما أن تتحول قرارات الدولة إلى مناشدات وطلبات وترجٍّ، فذلك لا يعكس قوة الدولة، بل يكشف عن تردد في ممارسة سلطتها، ويمنح الطرف الآخر شعورًا بأن بإمكانه رفض القرار أو التفاوض على تطبيقه!وعندها لا تعود المسألة مجرد خلاف سياسي، بل تتحول إلى خلل في مفهوم الدولة ذاتها.
فالدولة لا تُدار بمنطق المناشدة، ولا تُفرض سلطتها بالرجاء، وإنما بالقانون، وبمؤسسات تمتلك القدرة والإرادة على تنفيذ قراراتها على الجميع، من دون تمييز.
إن أخطر ما تواجهه الدولة هو الخلط بين الدولة والسلطة والحزب والفصيل المسلح!
فالدولة كيان قانوني ومؤسسي دائم، والحكومة سلطة تنفيذية مؤقتة تستمد شرعيتها من الدستور، أما الجماعات المسلحة فلا يمكن أن تكون طرفًا مساويًا للدولة في ممارسة السلطة أو فرض الإرادة خارج مؤسساتها القانونية.
وهذا الخلط ظل واحدًا من أبرز أوجه الخلل في إدارة الدولة العراقية خلال أكثر من عقدين من الزمن، واليوم تتجلى نتائجه بوضوح في هشاشة القرار السياسي، وفي التردد بين إصدار القرار وتنفيذه، وفي التعامل مع بعض القوى بمنطق التفاوض على هيبة الدولة بدل إخضاع الجميع لقاعدة واحدة مفادها : القانون فوق الجميع، وقرار الدولة لا يحتاج إلى إذن من خارج مؤسساتها.
فحين تعجز الدولة عن تنفيذ قراراتها، فإن المشكلة لا تعود في القرار وحده، بل في بنية الدولة نفسها، وفي قدرتها على أن تكون دولة!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر