منبر العراق الحر :
لم تكن الخيانة امرأة أخرى…
كما يظن الناس.
كانت مقصا صدئا وُضع في جذور شجرة كاملة.
وكان البيت تلك الشجرة.
في البداية لم يسقط شيء.
بقيت الجدران واقفة.
وبقيت الصور معلقة في أماكنها.
وبقي الأطفال يذهبون إلى مدارسهم.
وبقيت الأم تعدّ الطعام كل مساء.
لكن أحدا لم ينتبه أن الروح التي كانت تسكن البيت قد بدأت تنزف ببطء.
الخيانة لا تدخل البيوت كالعاصفة.
إنها تدخل كدخان.
صامتة.
خفية.
وتملأ الرئتين دون أن يراها أحد.
أنتَ لم تخن امرأة أحبتك فقط.
لقد خنتَ يدا كانت ترتب فوضاك كل يوم.
وخنتَ قلبا كان يبرر أخطاءك للناس قبل أن يبررها لنفسه.
وخنتَ سنوات كاملة كانت تضع أحلامها تحت قدميك وتسمي ذلك حبا.
لكن ذلك ليس كل شيء.
فالكارثة الحقيقية لم تكن في دموع زوجتك.
بل في عيون أطفالك.
في ذلك الصبي الذي كان يراك بطلا.
ثم اكتشف فجأة أن الأبطال يكذبون أيضا.
وفي تلك الطفلة التي كانت تتعلم معنى الأمان من صوت مفتاحك عند الباب.
ثم تعلمت أن الأبواب قد تُفتح ويخرج منها الغياب.
هل تعرف ماذا تفعل الخيانة بالأطفال؟
إنها لا تجعلهم يبكون فقط.
إنها تجعلهم يكبرون قبل أوانهم.
تجعلهم يشكّون في الحب.
ويخافون من الوعود.
ويراجعون وجوه الناس كما يراجع الجنود خرائط الحروب.
كلما أحبهم أحد سألوا أنفسهم:
متى سيرحل؟
ومتى يبدأ الكذب؟
ومتى يتحول هذا الدفء إلى رماد؟
أما الأم…
فكانت تخيط قلبها كل ليلة بإبرة الصبر.
وتستيقظ كل صباح لتتظاهر أن الجرح أصغر مما هو.
كانت تجمع شظايا العائلة بيديها العاريتين.
وتبتسم.
ليس لأنها سعيدة.
بل لأن السفينة إذا رأت ربانها يبكي غرقت.
وحدها كانت تعرف كم بحرا ابتلعته كي يبقى الأطفال على الشاطئ.
يا سيدي…
الخيانة ليست قبلة مسروقة.
ولا رسالة مخبأة.
ولا موعدا خلف ستائر الليل.
الخيانة أن تهدم وطنا كاملا من أجل نزوة عابرة.
أن تحرق سنوات من الثقة لتشعل دقيقة من الوهم.
أن تجعل امرأة كانت تزهر باسمك تخاف من اسمها.
وأن تجعل أطفالا كانوا يركضون نحو المستقبل يحملون ندبة لا يراها أحد.
ستمضي السنوات.
سيكبر الأطفال.
وستبيضّ الشعور.
وستتغير الوجوه.
لكن بعض الكسور لا يرممها الزمن.
تبقى ساكنة في القلب كصورة قديمة لا تسقط من إطارها.
ويبقى السؤال معلقا في هواء البيت:
كيف استطاع شخصٌ أحببناه بهذا القدر…
أن يترك كل هذا الخراب خلفه ويمضي؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر