منبر العراق الحر :….كاتب سياسي…
تشكل السلطة القضائية في الدول الحديثة الركيزة الأساسية لاستقرار النظام السياسي وحماية الدولة، لأنها تمثل المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع عند تعارض المصالح وتصاعد الخلافات. فبينما تتغير الحكومات وتتبدل التحالفات السياسية وتخضع المؤسسات المختلفة لضغوط الواقع السياسي، يبقى القضاء المؤسسة المكلفة بحماية الدستور وصيانة سيادة القانون وضمان حقوق المواطنين.
وفي الدول التي تواجه تحديات سياسية واجتماعية معقدة، تزداد أهمية القضاء ليصبح أكثر من مجرد سلطة تفصل في النزاعات، بل ضمانة لاستمرار الدولة نفسها. فثقة المواطن بالقضاء تعني ثقته بإمكانية الحصول على حقه عبر القانون، وثقة القوى السياسية بالمؤسسات القضائية تعني قدرتها على إدارة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية بدلاً من اللجوء إلى الشارع أو موازين القوة.
وفي العراق، حيث واجهت الدولة خلال العقدين الماضيين تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، برزت أهمية السلطة القضائية بوصفها أحد أهم عناصر التوازن والاستقرار. فكلما ازدادت ثقة المواطنين بعدالة القضاء واستقلاله، ازدادت قدرة الدولة على حماية شرعيتها والحفاظ على تماسكها. ومن هنا يبرز التساؤل: لماذا يعدّ القضاء الضمانة الأخيرة للنظام السياسي العراقي وحماية الدولة؟ وما الدور الذي يؤديه في الحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق الخلافات إلى أزمات تهدد كيان الدولة ومؤسساتها؟
*العدالة أساس شرعية الدولة*
لا تسقط الدول دائماً بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية أو التدخلات الخارجية، بل كثيراً ما يبدأ الانهيار من الداخل عندما تفقد الدولة قدرتها على تحقيق العدالة بين مواطنيها. فالعدالة ليست مجرد نصوص قانونية أو محاكم ومبانٍ حكومية، بل هي شعور المواطن بأن هناك دولة تحمي حقوقه وتمنحه فرصاً متساوية وتطبق القانون على الجميع دون تمييز.
إن شرعية أي نظام سياسي لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى على الثقة. وعندما يشعر المواطن أن حقوقه مصانة وأن المؤسسات تتعامل معه بوصفه مواطناً لا تابعاً لحزب أو طائفة أو جماعة، تتعزز علاقته بالدولة وتترسخ شرعيتها. أما عندما تتراجع العدالة ويتسع الشعور بالتمييز أو الإقصاء، فإن العلاقة بين المواطن والدولة تبدأ بالتآكل مهما بدت مؤسساتها قوية من الخارج.
ولهذا كانت العدالة عبر التاريخ الركيزة الأولى لاستقرار الدول، لأنها تمثل العقد المعنوي الذي يربط المجتمع بمؤسساته ويحفظ التماسك الوطني في مواجهة الأزمات والتحديات.
*القضاء حائط الصد الأخير*
في ظل التعقيدات السياسية التي شهدها العراق خلال العقود الماضية، برز القضاء العراقي بوصفه إحدى أهم ركائز الاستقرار وحماية النظام السياسي. فبينما تعرضت مؤسسات عديدة لضغوط وتجاذبات سياسية مختلفة، بقيت السلطة القضائية تمثل المرجعية التي يلجأ إليها المواطن والقوى السياسية لحسم النزاعات وفق الدستور والقانون.
ولا تقتصر أهمية القضاء على إصدار الأحكام أو الفصل في الخصومات، بل تمتد إلى حماية الثقة بالدولة نفسها. فالمواطن الذي يؤمن بوجود قضاء عادل ومستقل يشعر بأن حقوقه مصانة داخل إطار الدولة، ولا يحتاج إلى البحث عن الحماية خارج القانون أو اللجوء إلى مراكز قوة بديلة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى دور رئيس مجلس القضاء الأعلى الدكتور فائق زيدان باعتباره جزءاً من جهود المحافظة على استقلال المؤسسة القضائية وتماسكها في بيئة سياسية معقدة. فاستمرار القضاء في أداء دوره الدستوري بعيداً عن الاستقطابات السياسية يمثل عاملاً مهماً في حماية النظام السياسي والحفاظ على الاستقرار العام.
ولهذا يعدّ القضاء العراقي اليوم أحد أهم الضمانات المؤسسية لبقاء الدولة، وحائط الصد الأخير الذي يحتمي به المواطن عندما تتعثر الحلول السياسية أو تتصاعد الخلافات، لأنه يجسد مبدأ سيادة القانون الذي تقوم عليه شرعية الدولة واستمرارها.
*القضاء وصيانة النظام السياسي*
لا يقتصر دور القضاء على حماية الحقوق الفردية، بل يمتد إلى حماية النظام السياسي نفسه. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على الانتخابات أو تداول السلطة، وإنما تقوم أيضاً على وجود مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات وفق قواعد دستورية وقانونية واضحة.
وعندما تنشأ نزاعات سياسية أو دستورية أو انتخابية، تصبح السلطة القضائية المرجعية التي تمنع تحول الخلاف إلى صراع مفتوح يهدد استقرار الدولة. ولهذا فإن القضاء يؤدي وظيفة استراتيجية تتجاوز الجانب القانوني، تتمثل في المحافظة على قواعد اللعبة السياسية وضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة ضمن الأطر الدستورية.
وفي المجتمعات التي تعاني من الانقسامات السياسية أو الطائفية أو القومية، مثل العراق، تزداد أهمية القضاء لأنه يشكل المرجعية المشتركة التي يمكن لجميع الأطراف الاحتكام إليها. فكلما كانت المؤسسة القضائية قوية ومستقلة، ازدادت قدرة النظام السياسي على احتواء الأزمات ومعالجة الخلافات بوسائل سلمية وقانونية.
كما تعد السلطة القضائية أحد أهم عناصر التوازن داخل الدولة، لأنها تمنع احتكار السلطة وتوفر آلية قانونية لحسم النزاعات دون اللجوء إلى القوة أو الفوضى.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر