منبر العراق الحر :
تقوم قصة “ساعة من الزمن ” للكاتبة كيت شوبان، وهي كاتبة أمريكية من أوائل من تناولوا التجربة النسوية بوعي نفسي حاد، على حدث بسيط ظاهريًا لكنه شديد الكثافة الدلالية. وتكمن أهمية كون الكاتبة امرأة في أنها أقرب إلى تفكيك البنية الداخلية لتجربة المرأة داخل الزواج، سواء من خلال معرفة مباشرة بطبيعة هذه التجربة أو من خلال احتمال إسقاطها لتوترات شعورية ومعيشة مشابهة داخل النص.
تبدأ القصة عندما تتلقى لويز مالارد خبر وفاة زوجها في حادث، فتنهار في البداية كما هو متوقع اجتماعيًا، ثم تنعزل في غرفتها حيث يبدأ داخلها تحول نفسي عميق يقودها إلى شعور غريب بالتحرر من قيد الحياة الزوجية. غير أن هذا الشعور لا يكتمل، إذ يتبين في النهاية أن الزوج لم يمت، بل يعود حيًّا، فتنهار لويز فجأة وتموت في صدمة تُفسَّر ظاهريًا على أنها “فرح مفرط”، بينما تبدو في جوهرها انهيارًا داخليًا للحلم الذي تشكّل للحظة قصيرة.
تقوم القصة على بنية أعمق من الحدث الظاهر فيها، إذ يمكن قراءتها بوصفها تراكبًا لثلاث حكايات نفسية تتداخل داخل زمن قصير جدًا، لكنها تمتد في الوعي الإنساني بشكل واسع ومكثف.
الحكاية الأولى هي حكاية الحلم المتخيَّل قبل الخبر.
في هذا المستوى، لا تبدأ القصة من لحظة الوفاة، بل من الداخل النفسي للشخصية نفسها. فقبل أي حدث خارجي، يمكن فهم لويز مالارد بوصفها ذاتًا تعيش ضغطًا داخليًا صامتًا، يولّد في أعماقها صورًا غير معلنة عن الخلاص من قيد الحياة الزوجية. هذا الحلم لا يظهر كقرار أو رغبة صريحة، بل كتخيّل مستمر ومكبوت، يتشكل في منطقة الوعي غير المصرح به، حيث يعيش الإنسان ما لا يستطيع قوله أو فعله، لكنه يظل حاضرًا كاحتمال داخلي دائم. وهو في جوهره شكل من أشكال مقاومة الضغط النفسي الواقعي عبر الحلم بوصفه بديلًا تخيّليًا عن الواقع.
أما الحكاية الثانية فهي حكاية تحقق الحلم بعد الخبر.
عند وصول خبر وفاة الزوج، لا يُستقبل الحدث بوصفه مأساة فحسب، بل بوصفه انتقالًا مفاجئًا للحلم من مستوى التخيّل إلى مستوى الإمكان الواقعي. هنا لا تُفهم لحظة الحرية التي تعيشها لويز بوصفها فرحًا عابرًا، بل بوصفها تشكّلًا لحياة بديلة بدأت تتكوّن فعليًا داخل الوعي، حيث يتحول المكبوت إلى واقع نفسي يُعاش ويُبنى من جديد.
لكن هذه البنية لا تكتمل دون الحكاية الثالثة، وهي حكاية موت الحلم بعد تحققه.
ويفتح هذا التأويل بابًا آخر لفهم القصة، إذ لا تبدو لويز مجرد امرأة تحلم بالحرية، بل شخصية تبني في داخلها حياةً بديلة متخيَّلة تستطيع من خلالها مقاومة ضغط الواقع. فالحلم هنا لا يؤدي وظيفة الرغبة فحسب، بل يؤدي وظيفة نفسية أعمق تتمثل في حماية الذات من الاستسلام الكامل لما تعيشه من ضغوط. ومن ثمّ فإن التخيّل يصبح شكلًا من أشكال المقاومة الداخلية، وعالمًا موازيًا يمنح الحياة قدرًا من الاحتمال والمعنى.
وعندما يتحول هذا العالم المتخيَّل إلى واقع محتمل بعد خبر الوفاة، تبلغ عملية المقاومة ذروتها، لأن الذات لم تعد تكتفي بتخيّل الخلاص، بل أصبحت تراه ممكنًا. غير أن عودة الزوج لا تُسقط هذا الإمكان وحده، بل تُسقط معه الآلية النفسية التي كانت تمنح الشخصية القدرة على الاحتمال. لذلك لا ينهار الحلم فحسب، بل ينهار أيضًا السلاح النفسي الذي كانت تواجه به ضغط الواقع، فتفقد القدرة على بناء بديل تخييلي جديد، ويغدو اليأس نتيجة طبيعية لانغلاق الأفق بين واقع لا يُحتمل وحلم لم يعد قابلًا للتصديق.
ومن هنا تتجاوز القصة حدود التجربة الفردية لتكشف جانبًا عميقًا من الطبيعة الإنسانية؛ فالإنسان كثيرًا ما يحتمل أعباء الحياة وضغوطها بفضل عوالم داخلية لا يعلن عنها للآخرين. فقد يعيش على أمل مؤجل، أو حلم خافت، أو صورة متخيَّلة لمستقبل أفضل، فتغدو هذه التصورات مصدرًا خفيًا للصبر والمقاومة. وما يبدو للآخرين صبرًا أو قدرةً استثنائية على التحمل قد يكون في حقيقته قائمًا على حياة داخلية كاملة يعيشها الفرد في الخفاء. ولهذا فإن انهيار الحلم لا يعني فقدان رغبة معينة فحسب، بل قد يعني انهيار القوة النفسية التي كانت تجعل الواقع قابلًا للتحمل، وسقوط المعنى الذي كان يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار في مواجهة ضغوط الحياة.
فعندما يعود الزوج حيًّا، لا يُلغى الحدث الخارجي فقط، بل يُسحب معه كل ما تَشكّل خلال تلك اللحظات القصيرة من حياة بديلة. فليس الانهيار في الفرح وحده، بل في انهيار الإمكان الذي بدأ يتجسد. هنا يتعرض الوعي لصدمة مزدوجة: فقدان الواقع الجديد، وانكسار القدرة على استعادته تخييليًا، لأن الذات كانت قد ذاقت لحظة اكتمال الاحتمال وصدّقت تحققه، ثم فُجعت بانسحابه الكامل.
بهذا الانكسار تفقد الشخصية آلية مقاومتها النفسية، إذ يتعطل الحلم بوصفه وسيلة داخلية لإعادة إنتاج بديل للحياة، ويغدو الوعي عاجزًا عن العودة إلى مستوى التخيّل الأول الذي كان يمنحها قدرة على الاحتمال. ومع هذا العجز يغلق الأفق الداخلي تمامًا، فلا يبقى سوى فراغ نفسي لا يمكن ترميمه بتخيّل جديد.
بهذا المعنى، لا تقدم القصة مسارًا بسيطًا من الحزن إلى الفرح ثم إلى الموت، بل تكشف عن بنية ثلاثية للحلم: تخيّل سابق، تحقق مؤقت، ثم انهيار بعد اكتمال الإمكان. وتكمن قوتها في ضغط هذه المراحل داخل ساعة واحدة، بحيث تبدو حياة كاملة وكأنها تُبنى وتنهار في لحظة واحدة.
وهكذا تتحول القصة إلى تأمل في هشاشة التحقق ذاته: فليس الحلم هو ما ينهار فقط، بل اللحظة التي يصدق فيها الإنسان أن ما كان متخيّلًا قد أصبح واقعًا.
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر