منبر العراق الحر :ليست الحجارة التي ارتطمت بباب الكنيسة الأرمنية في البلدة القديمة مجرد فعل اعتداء على مبنى ديني، بل هي محاولة لإصابة ذاكرة مدينةٍ كاملة. ففي القدس، لا تُستهدف الكنائس لأنها كنائس فحسب، كما لا يُستهدف المسجد الأقصى لأنه مسجد فقط؛ بل لأنهما معًا يشكلان هوية مدينةٍ استعصت، عبر قرون، على كل محاولات اختزالها في رواية واحدة.
الاعتداء الذي طال الكنيسة الأرمنية، بإلقاء الحجارة على مدخلها والبصق على أبوابها، يتجاوز حدود الحادثة الأمنية العابرة. فهو يحمل دلالة رمزية خطيرة، مفادها أن المقدسات لم تعد بمنأى عن خطاب الكراهية، وأن المدينة التي شكّلت نموذجًا للتعدد الديني والثقافي تُدفع، مرة أخرى، نحو مشهد يقوم على الإقصاء بدل الشراكة، وعلى الاستفزاز بدل الاحترام.
والكنيسة الأرمنية ليست مجرد أثر تاريخي في البلدة القديمة، بل شاهد على قرون من الوجود المسيحي الأصيل في القدس، وعلى مساهمة الأرمن في صياغة شخصيتها الثقافية والروحية. ولذلك، فإن الاعتداء عليها لا يمس حجارتها وحدها، بل يمس أحد الجذور العميقة التي قامت عليها المدينة.
ولم يكن هذا الاعتداء حدثًا معزولًا عن سياقه. ففي اليوم نفسه، وثّق التقرير اقتحامات للمسجد الأقصى، واعتداءات على المقدسيين، وإخطارات بهدم منشآت، وتوسعًا استيطانيًا في محيط القدس. وعندما توضع هذه الوقائع جنبًا إلى جنب، فإنها تكشف مشهدًا واحدًا لا سلسلة أحداث منفصلة؛ مشهدًا تتعرض فيه المدينة لضغوط متراكمة تستهدف إنسانها، ومقدساتها، وحيزها التاريخي، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض.
لقد أدرك المقدسيون، على اختلاف انتماءاتهم، أن الدفاع عن الكنيسة ليس شأنًا مسيحيًا خالصًا، كما أن الدفاع عن المسجد الأقصى ليس شأنًا إسلاميًا فحسب. فالقدس لا تُبنى بمقدس واحد، ولا يحميها صوت واحد. وما منح هذه المدينة فرادتها أن أجراس الكنائس لم تكن يومًا نقيضًا للأذان، بل كانت جزءًا من المشهد نفسه، ومن الهوية نفسها، ومن الحكاية نفسها.
غير أن ما يبعث على القلق ليس الاعتداء وحده، بل اعتياد العالم عليه. فحين يصبح البصق على أبواب الكنائس، أو رشقها بالحجارة، خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، فإن الخطر لا يكمن في الفعل وحده، بل في الصمت الذي يرافقه. فالصمت، في كثير من الأحيان، هو البيئة التي تزدهر فيها الانتهاكات، وهو الذي يحول الاستثناء إلى مألوف، والمرفوض إلى أمرٍ يمكن التعايش معه.
إن حماية الكنائس في القدس لا تنفصل عن حماية المساجد، لأن القضية ليست قضية حجارة، بل قضية معنى. فالمدينة التي احتضنت أقدس المواقع الدينية في العالم لا يمكن أن تبقى وفية لتاريخها إذا تُركت مقدساتها نهبًا للكراهية والاستفزاز. واحترام دور العبادة ليس منحة يمنحها أحد، بل التزام أخلاقي وقانوني، وشرط أساسي للحفاظ على هوية القدس التي قامت على التنوع لا على الإقصاء.
قد يستطيع المعتدون كسر نافذة، أو خدش باب، أو بث الخوف في نفوس المصلين، لكنهم أعجز من أن يعيدوا كتابة تاريخ القدس. فهذه المدينة لم تُعرف يومًا بعدد حجارتها، بل بقدرتها على جمع المختلفين تحت سماء واحدة.
وحين يُرشق باب كنيسة في القدس، فإن الذي يُصاب ليس بابًا خشبيًا ولا جدارًا حجريًا، بل صورة المدينة في ضمير الإنسانية. أما القدس، فستظل مدينة الأجراس والأذان، مهما حاولت الكراهية أن تجعل أحدهما غريبًا عن الآخر.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر