Screenshot

هل قادت الولايات المتحدة إيران إلى فخاخ سياسية؟..بقلم : د. حسام البدري

منبر العراق الحر :….قراءة في منطق إدارة الصراع وإعادة تشكيل ميزان القوى

قال كارل فون كلاوزفيتز المنظر العسكري الالماني إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى؛ أي إن الضربة العسكرية لا تُفهم من حجم الدمار الذي تحدثه فقط، بل من النظام السياسي الذي تحاول إنتاجه بعدها. ومن هذه الزاوية، لا يبدو السؤال الأعمق: هل كانت واشنطن قادرة على تدمير إيران؟ بل: لماذا تحطم الدولة إذا كان بالإمكان إعادة برمجة خياراتها، ونقل مركز ثقلها من المبادرة إلى الدفاع، وجعل أدوات قوتها نفسها مصدرًا لاستنزافها؟

تقوم هذه القراءة على فرضية تحليلية لا على وثيقة تثبت وجود “خطة فخاخ”مكتوبة. لكنها تستند إلى مفهوم توماس شيلينغ المنظر الاستراتيجي الامريكي في كتابه The Strategy of Conflict، حيث تُدار المساومة الاستراتيجية عبر تشكيل خيارات الخصم وحساباته، لا عبر القوة العارية وحدها. كما تستند إلى تصور هنري كيسنجر للنظام الدولي باعتباره مزيجًا من القواعد وميزان القوة؛ فالاستقرار عنده لا يعني إزالة الخصم، بل تقييد قدرته على تغيير التوازن.

هل كانت الحرب تستهدف إسقاط النظام أم دفع إيران إلى كشف حدود قوتها؟

بحسب التسلسل الذي أوردته وكالة أسوشيتد برس، بدأت المرحلة الراهنة من الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 بهجوم أمريكي–إسرائيلي واسع قُتل فيه المرشد الإيراني علي خامنئي، ثم توسعت المواجهة إلى لبنان والخليج ومضيق هرمز. لم يؤدِّ قطع رأس القيادة إلى انهيار الدولة، بل إلى رد إيراني إقليمي، وإغلاق فعلي للمضيق، وتصاعد الهجمات الصاروخية والمسيّرة.

هنا تظهر أولى المفارقات: التفوق العسكري الأمريكي لم يتحول إلى عملية احتلال أو إسقاط شامل للنظام. ووفق منطق جون ميرشايمر في The Tragedy of Great Power Politics، لا تسعى القوى الكبرى إلى القوة لمجرد الاستعراض، بل إلى تحسين موقعها النسبي وضمان ألا يخرج منافس إقليمي عن منظومة الردع. إسقاط إيران كان سيحوّل الولايات المتحدة من قوة تضبط التوازن إلى قوة مسؤولة عن فراغ دولة كبيرة، بما يحمله ذلك من تفكك مؤسساتها، وانتشار ترسانتها، واضطراب الطاقة، وتدخل قوى دولية منافسة.
لذلك قد يكون الهدف الأكثر عقلانية ليس إسقاط إيران، بل إعادة تشكيل سلوكها الاستراتيجي عبر استنزافها داخليًا. وبهذا المعنى، يتمثل «الفخ» في استدراجها إلى تصعيد يعيد إنتاج شرعية احتواء قوتها، ويحوّل النزاع من صراع ثنائي إلى مصلحة أمنية دولية.

هل كانت مذكرة التفاهم طريقًا إلى السلام أم مساحةً لغموض قابل للانفجار؟

في 15 يونيو/حزيران 2026 أعلنت واشنطن وطهران اتفاقًا أوليًا لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، ثم نُشرت في 17 يونيو مسودة من أربعة عشر بندًا. نصت المذكرة على وقف الحرب، واحترام السيادة، والتفاوض على اتفاق نهائي خلال ستين يومًا، وعدم فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات أمريكية إضافية خلال المرحلة الانتقالية. كما تضمنت إعفاءات لصادرات النفط الإيراني، وإتاحة الأموال المجمدة، والتفاوض بشأن البرنامج النووي، وصندوقًا لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
غير أن المذكرة صيغت وفق لا تماثل بنيوي في هندسة الالتزامات؛ إذ أُلزمت إيران بخطوات فورية قابلة للتحقق، بينما أُرجئت عوائدها الاستراتيجية إلى اتفاق نهائي وآليات تنفيذ لاحقة. لذلك أكد مسؤول أمريكي في 17 يونيو أن تسلسل التنفيذ، لا نص الاتفاق، سيكون ميدان المساومة الحقيقية.

وهنا تتجلى أطروحة شيلينغ؛ فالاتفاق لم يُنهِ الصراع، بل أعاد تموضعه من ساحة القتال إلى هندسة الالتزامات. فالبند الخامس ألزم إيران بضمان حرية الملاحة وإزالة التهديدات في مضيق هرمز لمدة 60 يومًا، بينما رُحّلت مكاسبها الاستراتيجية، كرفع العقوبات والإفراج عن الأموال، إلى مفاوضات وآليات تحقق لاحقة؛ أي إلى لا تماثل في تسلسل الالتزامات. وبهذا، فإن فتح المضيق قبل تثبيت المكاسب يعني التفريط بأهم أوراق الإكراه، بينما يعيد استخدامه تفاوضيًا إنتاج اتهامها بخرق الاتفاق. وقد تجسد ذلك عمليًا؛ إذ اعتبرت طهران، وفق رويترز، هرمز «سلاحها الذهبي» وقرأت فتحه المؤقت اعترافًا بدورها، في حين رفضت واشنطن ودول الخليج أي سيطرة حصرية عليه. وبعد استهداف سفن تجارية وتجدد الاشتباكات، أعلن الرئيس الأمريكي في 8 يوليو/تموز انتهاء مذكرة وقف الحرب، مع استئناف الضربات والعقوبات والإبقاء على مسار التفاوض مفتوحًا.

إذا صحت فرضية الفخ، فهذه هي بنيته: إيران اعتقدت أن تعطيل المضيق أجبر واشنطن على الاعتراف بثقلها، بينما حولت واشنطن القضية من تفاوض على النفوذ الإيراني إلى دفاع عن حرية التجارة الدولية. وفي 10 يوليو طالبت الولايات المتحدة إيران بإعلان علني أن المضيق مفتوح وأنها ستوقف مهاجمة السفن؛ وبذلك أصبحت طهران أمام خيارين مكلفين: التراجع العلني وفقدان ورقة الردع، أو الاستمرار ومنح واشنطن شرعية أوسع للتصعيد.

هل دول الإقليم حلفاء محميون أم أدوات لامتصاص كلفة الصراع؟

في 11 و12 يوليو/تموز اتسعت المواجهة مجددًا؛ فقد ضربت الولايات المتحدة عشرات المواقع الإيرانية بعد استهداف سفينة تجارية، وردت إيران بهجمات طالت مواقع ودولًا خليجية، منها الكويت والبحرين وقطر وعُمان، مع اضطراب الملاحة وارتفاع القلق بشأن الطاقة والتضخم العالمي.

وهنا تتجلى لا تماثلية توزيع الكلفة؛ إذ تُصدّر واشنطن أعباء الصراع إلى الإقليم، بما يعمّق الاعتماد الأمني ويعيد إنتاج مركزيتها بوصفها الضامن البنيوي للمنظومة الأمنية الخليجي.

المحصلة

المكسب الأمريكي المحتمل ليس إسقاط إيران، بل إعادة هندسة ميزان القوى عبر استنزاف قدرتها على توظيف نفوذها الإقليمي، مع بقاء خطر انزلاق استراتيجية الضبط إلى تصعيد غير قابل للاحتواء.

وعليه، يبدو السيناريو الأرجح بعد 12 يوليو/تموز 2026 استمرار حالة «لا حرب ولا سلام»: ضربات محدودة، وتفاوض متقطع، وصراع على تفسير مذكرة يونيو، في مقابل مسعى أمريكي لتدويل هرمز ومقاربة إيرانية تُضفي عليه طابعًا سياديًا.

ويبقى السؤال: هل كانت إيران ضحية فخ استراتيجي؟ أم أن الطرفين انزلقا إلى معادلة يدفع الشرق الأوسط كلفتها.

وسواء كانت هذه النتيجة ثمرة تصميم مقصود أم حصيلة تفاعلات متبادلة، فإنها تؤكد أن الصراعات الحديثة تُحسم بإعادة تشكيل خيارات الخصوم وهندسة البيئة الاستراتيجية أكثر مما تُحسم بالقوة العسكرية المباشرة.

 

اترك رد