منبر العراق الحر :
تتوفر للشعر المقدرة على التعبير …. لا عن الداخلية الذاتية فحسب بل كذلك عن خصائص الحياة الخارجية … هذا ما أكده هيغل في كتابه ” فن الشعر ” بين الصورتين الداخلية والخارجية يولد الشاعر وهو لا يملك شيئا .. أهدافه في محراب روحه هذا العالم الذي يسعى الى الخير والسمو وتوضح المعاني الحياتية الكثيرة … من خلال خطوب ذاته وخطوب الحياة الراكدة الثائرة يكون شعره من الروح للروح … بعيدا عن كل الماديات التي تزدحم أمام عينيه التي تثير فيه القوة لا للابتعاد عن روحه بل التقرب منها أكثر … برغم انه لا يملك [ زيقا ] وهو ما أحاط من الثوب بالرقبة …. وهي صورة القيد .. . والانطلاق الروحي … الشاعر يولد عاريا ويعيش عاريا … ويموت وهو لا يملك زيقاً .
هذا التجرد المادي … كيف يتخيله الناس وبأية صورة رمزية تدنو من روحهم وعقولهم وافئدتهم … ماذا يبغون منه ؟ هل هناك هبات معينة على الشاعر أن يهبها للناس ؟ لم يحاولون أن يجردوه حتى من روحه … ان يسلك سبيلا آخر نائيا عن روح الشاعر ودانيا من أفكارهم ورغباتهم … هذا الصراع المتجلي بينهم وبينه … يولد شرارات انسانية نحن في غنى عنها … فالشاعر لا يكون دون الناس … بكل ما يرتبط في حياتهم من أطر واقعية يسبغ على هذا الخطب وذاك من روحه مالم يصل للناس أنفسهم … صحيح انه يدور حول ذاته وفيها لكن هذا لا يعني أنه بعيد عن هموم وأفكار وحياة الناس … أوليست ذات الشاعر ذات انسان ؟ ما يدور حوله من واقع يدور حول الكثيرين من الناس … اليست ذاته صورة واقعية من ذوات البشر. لن يرون جراحه عذابه … دماءه يتخيلون أنه يسكب الدموع… هذا التجاهل الروحي … تجاهل أعمى لا يبصر الصورة الحقيقية للشاعر، ولا كل ما يتعلق بروحه واحساسه وذاته …
” أنتم الناس عبثا تتخيلون
تنبتون أظافركم في عضلاته
وترون الدم في جراحه
وتتخيلون … بأنه يسكب الدموع !! ”
لا تساوي الرغبات ، لا تلتقي في نقطة واحدة ، ولا هي محكوم عليها أن تلتقي في زمن ، مكان ما … شتان بين رغبات شاعر ورغبات الآخرين …. انه يحمل رسالة انسانية … يحاول ان يبثها للناس بأسلوبه وتفكيره المتقد وصبره يملي عليه أي كان رغبة ، فكرة ، احساس ما ، ما لم يكن مقتنع بها بناء وفكرة ومعالجة موضوعية … وهو أدرى بما يفيد الناس وما يضرهم … والا لما حمل الرسالة الانسانية … يرضى الشاعر الضرر لنفسه … لكن لا يرضاه للاخرين مهما كانت الأسباب … في الوقت نفسه لا يريد أن يخسر نفسه صورته الحقيقية في روحه دون رتوش .
تتجلى في كل انفعالاته ، أفكاره ، هدوئه … من يرضى من الناس أن يكون نسخة من صورة الآخرين ؟ … فكيف الشاعر ۰۰۰ جل اهتمامه بالروح والفكر والشخصية … حتى لو كان في بادىء الأمر تعلقا منفعلا منطلقا من التهور والاندفاع ،هل يدوم هذا التعلق بصور الآخرين ؟ اللهم اذا كانت الارادة واهنة … دون أهداف او طموح … أو شجاعة وصبر ،ان الشاعر رغبة الآخرين واستمع الى نبضات قلبه ولجأ الى محراب روحه ورفض أن يكون نسخة من صورهم التي تصعد الى القمة، لكن في الوقت نفسه تسقط سقوطا دون نهوض … رموه بصفات ليست فيه ، اتهموه انه دنس شرف الشعر ورفعته وكبريائه … هذا الاتهام الباطل رغبة تصطلي في قلوبهم الجوفاء … ماذا يفعل الشاعر أمام هذه التهم الباطلة … ؟ هل يتسلم نسيم بعيد … يجلس القرفصاء في زاوية ما من هذا العالم … من هذا الواقع الذي لا يرضخ له ؟
كل واحد منكم يرغب بأن يكون الشاعر النسخة البيضاء من صوركم كان تمرد … وصار النسخة البراقة لضربات قلبه سريعا ما ترون بأنه قد غادر الشعر … أنه يدنس أحرفنا . كأن الشعر وجد لناس معينين … الشعر ليس احتكارا لأحد … فهو عالم واسع يسع للجميع … ولأن الشاعر لا ” زيق ” له يفعلون به ما يشاوءن … كأنه يجب أن يكون للشاعر سند يتكيء عليه في الأزمات البشرية .. ان لم يكن له سند ينتزعون الحياة والروح منه .. فيدعون انه ” كفن ” .. ليس للكفن العاري سوى الثرى الفراغ … هذا ليس انتصارا .. بل موتا أكيدا لهم .. موت الشاعر يعني كثيرا فالعالم يتغير بولادة شاعر قليلا أو كثيرا … ماذا لو مات الشاعر؟ ان موته خسارة للمجتمع ، للعالم ، وجوده يعني الكثير لما يدور في العالم من خطوب يحس بأدق تفاصيلها .. يبثها بمدى تأثيرها وشدة وقوعها في محراب روحه …
” ولأن الشاعر لازيق له
تقبضون بمخاليكم الدامية قلبه
تنتزعون سواد عينيه .. تقولون أنه الليل
انه الكفن
فهذا العاري .. المحتسي للاوهام
لم يعد شاعرا . انه فراغ ”
الشاعر انسان قبل كل شيء .. ان لم يكن له سند يتكى عليه فعلى المجتمع، الناس.. أن يكونوا سندا له يلجأ اليهم عندما يشعر انه بحاجة اليهم فهو ليس ملاكا ولا عفريتا في الوقت نفسه .. والناس أدرى بهذه الصورة الواقعية التي تحيط وتنمو في روح الشاعر وتحيا مع الناس .. بامكان الناس أن يفعلوا من موقعهم ما يشاءون أمام انسان أعزل .. يملك سوى روحه ، مشاعره ، أحساسه ، أفكاره ، التي لا تكون ذات قيمة عند الآخرين … قدر الشاعر أن يحيا بين ناس لا يقدرون مدى مكانته وتأثيره .. يلجأ الى آخر السبيل ويترجى [ لا تتغابوا – لا تفعلوا – لا تجعلوا ] ربما يكون هذا الترجي من روح مسحوقة … لكنها مازالت روحا لا موتا .
” الشاعر انسان عار لازيق له
ليس صورا ليس ملاكا داخل سحاب
ليس عفريتا ذا لقمة دسمة
أنتم أدرى بذلك .. فلا تغابوا عنه
لا تجعلوا من رأسه كرة ومن شعره خيوطا
مدفونة في مسحوق الفحم ،لا تفعلوا ”
هل هناك أمل للشاعر : أين وكيف ؟ ( يقول الشاعر دجون فانس تشيني ) ان خيبة الأمل والحزن يصيبان الجميع فهل تتشبث الخيبة بهذا الشاعر الى ما لا نهاية ؟ أو يوجد لها خلاصا .. الخلاص في الروح أم في المجتمع أم في الشعرة الخلاص يكون في هؤلاء جميعا .. ( الروح ، المجتمع ، الشعر ) برغم ان المجتمع له تأثير كبير في خلاص الشاعر من كل همومه وخطوبه .. فالشعر لا يجد له معنى في هذا التضاد الواقعي .. فهو ذو بريق ، لون واحد ، وجه واحد، ضمير واحد. فان خفق حسن الشاعر فللبريق ألف جرس .. لكنه ليس جرسا أبديا بل يختفي فجأة .
” الشعر هو ( ما لا اعرف ماذا ) ذو بريق
ذو لون واحد .. ووجه واحد .. وضمير واحد
فان حدث وخفق حس شاعر
فان البريق له ألف جرس وجرس
ثم يختفي ”
الشاعر ” أحمد تاقانه ” صور لنا صراعا خافيا … بين المجتمع والناس .. ربما تكون هذه الصورة الشعرية غير متجلية بشكل كبير في الواقع لكنه جسدها .. في تسلسل افكار قصيدته الجميلة ” لا زيق للشاعر وانتم ” التي اختارها وترجمها من مجموعته ” في ذكرى طائر الططوى ” عالج الصراع الروحي والنفسي والفكري بهدوء .. برغم الانفعالات الروحية التي تظهر في شطر وآخر .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر