منبر العراق الحر :
منذ عام 2003، بعد سقوط النظام السابق، الذي أذاق الشعب ويلات الحروب والظلم والسجون والتشريد، على يد الاحتلال الأمريكي، وما أعقب ذلك من احتلال العراق، وحتى نهاية وزارة عادل عبد المهدي، كان العراق يعيش حربًا ضروسًا في الداخل والخارج. حربًا طائفيةً لم تُبقِ المفخخات والانتحاريون فيها مكانًا على خارطة العراق إلا ونالته سهام تلك الفتنة، وراح ضحيتها الآلاف من العراقيين. كما خاض حربًا خارجية تمثلت بداعش ومن يقف خلفها من دول الجوار الإقليمي ودول العالم، حتى سقطت ثلاث محافظات، وكادت تسقط العاصمة بغداد، وكربلاء، والنجف، ومحافظات أخرى.
وقد تصدى العراقيون ببسالة وشرف، من القوات الأمنية والجيش ومتطوعي الحشد الشعبي من المواطنين العراقيين، لهذا العدوان، فسقط الآلاف من الشهداء، وسالت أنهار من الدماء.
ولم تتوقف معاناة العراقيين عند هذا الحد، فقد اجتاحت التظاهرات الشعبية مدن العراق، مطالبةً بالإصلاح، ومكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية. وشهدت تلك التظاهرات مواجهات مع القوات الأمنية، سقط خلالها عشرات الشهداء ومئات الجرحى، حتى تعطلت مؤسسات الدولة في عدد من المحافظات العراقية. ثم تفشّى وباء كورونا، الذي فتك بالآلاف، وأثقل كاهل البلاد بأزمة صحية واقتصادية واجتماعية جديدة، لتتضاعف معاناة العراقيين بعد سنوات طويلة من الحروب والإرهاب والاضطرابات.
ومنذ عام 2003، وفي الوقت الذي كان فيه الشعب، مع قواته الأمنية، منشغلًا بردّ العدوان، ثم يطالب بالإصلاح واستعادة حقوقه، كان السياسيون وأحزابهم منشغلين بنهب المال العام، فاستولوا على ثروات العراق وأراضيه، وهرّبوا الأموال إلى الخارج، ولا يزالون حتى يومنا هذا، حتى امتلأت خزائنهم وبيوتهم بالذهب والدولار، بينما ينعم أبناؤهم وعوائلهم بحياة من الترف والرفاهية في الخارج.
هذه هي قصة العراق الأخيرة: شعبٌ يقاتل العدو في الداخل والخارج، وأحزابٌ تنهب وتسرق وتُفسد.
وكأن كل تلك المآسي والتضحيات لم تكن كافية، حتى يخرج من على المنابر من يزرع الكراهية ويُسيء إلى أعراض العراقيين، غير آبهٍ بدماء الشهداء ولا بآلام الثكالى. ولم تسلم حتى الأمهات اللواتي أثكلهن الفقد، ولا حرمة الموتى في قبورهم، من الاتهامات والطعن في الأعراض، في مشهدٍ يعكس حجم الانحدار الأخلاقي الذي بلغته بعض الخطابات، بعد كل ما مرّ به العراق من حروب ومحن.
ولا ندري إلى أين يُساق هذا البلد بعد كل هذه المآسي، ولا نعلم ما ينتظر شعبًا جريحًا أنهكته الحروب، وأثقلته سنوات الإرهاب،والاحتلال وأرهقه فساد السياسيين والأحزاب الحاكمة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يحمل المستقبل للعراق خلاصًا يليق بتضحيات أبنائه، أم أن فصول هذه المأساة لم تُكتب نهايتها بعد؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر