منبر العراق الحر :
هناك من يجمع السنوات، وهناك من يجمع التجارب.
أما أنا، فلم يكن العمر بالنسبة لي رقمًا يزداد، بل إنسانًا ينضج.
كل محطةٍ عبرتها لم تكن وظيفةً في سيرتي الذاتية، بل نافذةً أطللت منها على الحياة، وكل بابٍ فتحته لم يكن يقود إلى منصب، بل إلى معرفةٍ أعمق بالإنسان… وبنفسي.
لقد أدركت، مع مرور الوقت، أن الحياة لا تمنحنا الخبرة دفعةً واحدة، بل تقسمها علينا في هيئة أشخاص، ومواقف، ونجاحات، وخيبات، ولقاءات، ووداعات. وما إن نفهم الدرس، حتى نكتشف أن التجربة لم تكن تغير ظروفنا بقدر ما كانت تغيّرنا نحن.
من تجربتي كمركزةٍ لمسرح الحياة في الرملة، تعلّمت أن الإنسان يعيش أدوارًا كثيرة، لكن أصعبها أن يكون صادقًا مع نفسه. هناك فهمت أن المسرح ليس خشبةً نعتليها، بل مرآةٌ نرى فيها حقيقتنا، وأن الفن لا يغيّر العالم دفعةً واحدة، لكنه يوقظ في القلب سؤالًا، والسؤال الصادق هو بداية كل تغيير.
ومن تجربتي في إدارة مشروع تعليم النساء، ومحو الأمية، وإنهاء الصف الثاني عشر، تعلّمت أن التعليم ليس نقلًا للمعرفة، بل استعادةٌ للكرامة. رأيت في عيون النساء لحظة ولادةٍ جديدة، حين أدركن أن الحرف لا يفتح كتابًا فقط، بل يفتح أبواب الحياة كلها. هناك ازددت يقينًا بأن أجمل الاستثمارات هي تلك التي تُزرع في عقل الإنسان وروحه.
ومن تجربتي ناطقةً إعلاميةً للمجتمع العربي في شركة المراكز الجماهيرية، تعلّمت أن الكلمة مسؤولية، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تصل. فالكلمات التي تخرج من ضميرٍ حيّ، تعيش أطول من أصحابها، وتترك أثرًا لا تصنعه آلاف العناوين.
ومن تجربتي محررةً للصحف، تعلّمت أن الكتابة ليست مهنة، بل موقف. وأن الكاتب لا يُقاس بعدد ما يكتب، بل بقدر ما يوقظ في قارئه من وعي، وما يزرعه فيه من أمل، وما يتركه في قلبه من أثر.
ومن تجربتي في مرافقة ذوي الإعاقات النفسية، والتطورية، والذهنية، وأشخاص طيف التوحد، تعلّمت أن الإنسانية لا تُقاس بالكفاءة، ولا بالقدرة، ولا بالإنتاج، بل بالمحبة. هناك أدركت أن الاختلاف ليس نقصًا، بل تنوعٌ أراده الله ليعلّمنا معنى القبول، وأن الرحمة ليست شعورًا عابرًا، بل أسلوب حياة.
أما الكتابة… فقد كانت التجربة التي اختارتني قبل أن أختارها.
علّمتني أن الكلمات لا تُكتب بالحبر وحده، بل بما يتركه الزمن في القلب. وأن كل نصٍ صادق هو جزءٌ من صاحبه، يهاجر إلى الآخرين ليعيش في ذاكرتهم، وربما ليمنح أحدهم ضوءًا في لحظة عتمة.
واليوم، عندما أتأمل الطريق الذي عبرته، لا أرى مناصب ولا ألقابًا، بل أرى وجوهًا أحببتها، وأيادي أمسكت بيدي، وقلوبًا علّمتني أن الإنسان هو أعظم كتاب يمكن أن نقرأه.
لقد تعلّمت أن النجاح الحقيقي ليس أن يعرفك الناس، بل أن تبقى وفيًّا لرسالتك.
وأن القوة ليست في ألا تتعب، بل في أن تواصل السير رغم التعب.
وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في هذه الدنيا ليس ما يملكه، بل ما يزرعه من خير، وما يوقظه من أمل، وما يمنحه من نور.
وفي سبتمبر…
لن أبدأ وظيفةً جديدة، بل سأبدأ مرحلةً جديدة من ذاتي.
سأحمل معي كل ما علّمتني إياه الحياة؛ المسرح الذي علّمني الإصغاء، والتعليم الذي علّمني الإيمان بقدرة الإنسان على النهوض، والإعلام الذي علّمني أمانة الكلمة، والصحافة التي علّمتني البحث عن الحقيقة، والرحلة الإنسانية التي علّمتني أن الرحمة هي أعلى درجات الحكمة، والكتابة التي جعلت من الحروف وطنًا كلما ضاقت بي الطرق.
أدخل سبتمبر بقلبٍ ممتن، لا لأنه وصل، بل لأنه ما زال قادرًا على الحلم.
وبروحٍ تؤمن أن البدايات ليست مرتبطة بالتقويم، بل بالشجاعة.
وبإيمانٍ راسخ أن الله لا يفتح بابًا جديدًا إلا بعد أن يكون قد أعدّ صاحبه لعبوره.
ولذلك…
لن أبدأ من الصفر.
سأبدأ من كل ما تعلّمته.
ومن كل إنسانٍ مرّ في حياتي وترك في روحي أثرًا.
ومن كل تجربةٍ كسرتني ثم أعادت تشكيل قلبي بصورةٍ أجمل.
فالحياة لا تمنحنا ما نستحق فحسب… بل تمنحنا، في الوقت المناسب، الإنسان الذي كنا نُهيَّأ لنصبحه
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر