«الشرق الأوسط بعد غارات الأربعاء»….د.ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :قراءة استشرافية في أربعة سيناريوهات… والسؤال الذي يتجاوزها جميعًا

التقرير الاستراتيجي رقم (38): «معادلات الردع الجديدة»

⏺️ تمهيد ومقاربة المفهوم

دخلت المنطقة منعطفًا جيو-عسكريًا استثنائيًا، أعاد في ليلة واحدة رسم ملامح معادلة ردع إقليمية جديدة، وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في إدارة الصراع.

تشير المؤشرات السياسية والعسكرية، إلى جانب ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية، إلى أربعة سيناريوهات تبدو الأكثر ترجيحًا في إدارة الأزمة خلال المرحلة المقبلة. وتبقى هذه السيناريوهات تقديرات تحليلية قابلة للتعديل تبعًا لتطورات الميدان والقرار السياسي.

1️⃣ سيناريو “الانكفاء المؤقت وتدويل الضغط”

(الخيار الإيراني المرجح)

تدرك طهران أن المواجهة المباشرة والمفتوحة مع تحالف تقوده واشنطن بمشاركة فعلية من سلاح الجو السعودي هي مغامرة غير محسوبة قد تطيح بالنظام وتنسف مفاوضاتها الجارية مع ترامب.

◾️️التقدير الاستراتيجي: يبدو أن أحد الخيارات المطروحة أمام طهران يتمثل في إصدار توجيهات إلى فصائلها في العراق لامتصاص الصدمة الحالية، مع تنفيذ انسحاب تكتيكي للمعدات والمسيّرات المتبقية من المحافظات الجنوبية (البصرة والسماوة) نحو العمق الميداني.

◾️الآلية البديلة: ستقوم إيران بتسييل جبهات أخرى أقل حساسية لأمن الطاقة المباشر؛ مثل الإيعاز لـ الحوثيين في اليمن بتكثيف الهجمات البحرية واستهداف السفن في البحر الأحمر لتحويل الأنظار والضغط على الاقتصاد الدولي دون التورط في جولة قصف جديدة داخل العراق.

2️⃣ سيناريو “حرب الاستنزاف الهجين وضد القواعد البديلة” (خيار الفصائل)

تعيش قيادات الفصائل العراقية (الحشد الشعبي) حالة غليان وتخوف من أن يتم التضحية بها على مذبح الصفقات الكبرى بين واشنطن وطهران.

◾️القراءة العملياتية: لكسر هذه العزلة، تسعى الفصائل لإثبات حضورها عبر تنفيذ عمليات “انتقام جراحية” لا ترقى لإشعال حرب شاملة. وبما أن قاعدة عين الأسد أصبحت خالية تماماً من الوجود الأمريكي، فإن الأهداف المرجحة قد تشمل :

1. قصف صاروخي بالمسيرات ضد قاعدة الحرير في أربيل لإحراج حكومة الإقليم وحليفتها واشنطن.

2. شن هجمات هجينة (سيبرانية وميدانية خفيفة) ضد حقل العمر وحامية التنف في سوريا، مع اللجوء إلى التمويه والإنكار الرسمي لتفادي أي رد واسع.

3️⃣ سيناريو “تثبيت التفوق ومأسسة الردع”

(الخيار السعودي الأمريكي المشترك)

لم تكن غارات ليلة الأربعاء مجرد رد فعل عابر، بل إعلان صريح عن انتهاء سياسة الدفاع السلبي.

◾️المؤشرات الحالية: تشير المؤشرات إلى توجه داخل دوائر التخطيط في CENTCOM ووزارة الدفاع السعودية يقضي بفرض “معادلة الحظر الجوي للمسيرات”.

◾️الآلية البديلة: القوات المشتركة لن تنتظر تحرك المسيرات نحو منشآت الطاقة في الرياض؛ بل سيتم التعامل عسكرياً مع أي عملية تجميع أو تحريك مريب للمسيّرات والصواريخ في شرق أو جنوب العراق كـ “هدف مشروع فوراً”. ترافق ذلك ضغوط سياسية خانقة عبر القنوات الخلفية لإجبار بغداد على نزع السلاح الثقيل من الفصائل غير المنضبطة وعزلها مالياً وسياسياً.

4️⃣ سيناريو “التسوية الكبرى تحت ظلال الصواريخ” (المآل النهائي)

هذا السيناريو يمثل القراءة الاستشرافية الأكثر واقعية لدى خبراء الجغرافيا السياسية، حيث تخدم لغة النار مسار طاولة المفاوضات.

◾️القراءة الاستشرافية : يبدو أن إدارة الرئيس ترامب توظف الصدمة العسكرية الحالية لإيصال رسالة إلى طهران مفادها أن أي “اتفاق ودّي عميق” لن يمر من دون تنازلات استراتيجية تتصل ببرامج التسلح الإقليمي ودور الأذرع المسلحة.

◾️الآلية البديلة: في النهاية، ستدرك كافة الأطراف أن كلفة استمرار الحرب أعلى بكثير من تقديم التنازلات؛ مما قد يدفع باتجاه “اتفاق إطار شامل” يتضمن رفعاً جزئياً للعقوبات عن طهران مقابل كبح جماح الفصائل في العراق واليمن بشكل نهائي، وتأمين ممرات الطاقة العالمية والحدود السعودية بشكل دائم ومستقر.

5️⃣ السؤال الذي يسبق جميع السيناريوهات

مهما اختلفت السيناريوهات الأربعة، يبقى السؤال الأعمق ليس: أي الأطراف سيربح هذه الجولة؟ بل: أي نظام إقليمي سيولد بعدها؟ فالأزمات الكبرى لا تنتهي بانتهاء الضربات، وإنما عندما تستقر قواعد التوازن الجديدة. ومن هنا، فإن قيمة متابعة هذه السيناريوهات لا تكمن في توقع الحدث التالي فحسب، بل في فهم المشروع الذي يسعى إلى تشكيل الشرق الأوسط في اليوم التالي.

⏺️ الخاتمة :

وفي المحصلة، قد لا يكون ما يجري اليوم صراعًا على تدمير المستودعات أو تحييد المسيّرات بقدر ما هو صراع على إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي. فالقصف قد يغيّر مواقع القوة مؤقتًا، لكن المفاوضات هي التي ستحدد شكل النظام الأمني الذي سيولد بعد انتهاء هذه الأزمة. وحتى ذلك الحين، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة “عض الأصابع”، حيث تحاول كل الأطراف تحسين موقعها التفاوضي تحت ظلال الصواريخ.

ففي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ التسويات من حيث تبدو المعارك في أوج اشتعالها، وتولد التفاهمات الكبرى أحيانًا تحت ضجيج الصواريخ لا بعد صمتها.

وربما لن يتذكر التاريخ عدد الصواريخ التي أُطلقت في هذه الجولة، بقدر ما سيتذكر القواعد الجديدة التي خرجت منها.

اترك رد