الصورة بوصفها الوثن العصري ! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
تعلّق شعب العراق بالصورة، بل إن السلطة في العراق بنت، عبر مراحل طويلة، كثيرًا من برامجها الأمنية وقياسها لولاء الناس على أساس علاقتهم بها. كانت صورة الملك أو الرئيس تُوزَّع في الساحات والشوارع ودوائر الدولة والمقاهي والمطاعم، وحتى الحانات، على أن تكون صورةً له في أبهى لحظات القوة والعنفوان والرضا، وكأن الصورة هي التي تمنح الشعب سعادته، أو تصوغ أسباب كآبته. ومن لا يعلّق صورة الرئيس يُنظر إليه بوصفه معاديًا أو متآمرًا، وربما شيوعيًا! أما من يمزقها أو ينزعها من مكانها، فويلٌ له.
حدث في التاريخ العراقي، مرة واحدة، ما يشبه هذا التضاد، ولكن من دون التخلي عن سلطة الصورة. تروي الحكاية أن رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، حين رأى صورة كبيرة له معلقة في أحد المخابز، قال لصاحب المخبز: “صغّروا الصورة وكبّروا الخبزة.” أميل إلى الاعتقاد بأن هذه الحكاية من صنع خيال عشاق الزعيم الذي قتله الفاشست، بينما بقيت صورته في جيوب محبيه وقلوبهم، حتى إن بعضهم كان يتخيل أنه يراها في القمر حين يكتمل.
ترتبط الصورة بلحظة زمنية محددة، هي لحظة التقاطها. فلماذا اكتسبت هذا الطقس الخاص في وجدان غالبية العراقيين.
إنها لحظة سكون للفعل، وصمت للحياة؛ لحظة يتوقف فيها الزمن ولا يتحرك المعنى. ومع ذلك، نمنحها مكانة استثنائية في حياتنا، كما فعلنا بالأمس. لماذا؟
ماذا وراء الصورة؟
ربما لا شيء وراء الصورة ذاتها. فهي، في جوهرها، لحظة تجريدية صامتة لا تنطق بشيء، وإنما تستمد معناها من الوعي الذي يحتضنها ويضفي عليها القداسة. وهنا تتجلى العلاقة الملتبسة بين عقل مشلول ولحظة خرساء؛ علاقة لا تنتج معرفة، بل تعيد إنتاج السكون.
المجتمع المنتهك أخلاقيًا وثقافيًا يعلّق معنى وجوده على صورة لرمز من الماضي لا يعرف عنه إلا القليل، أو على أسطورة لا تمت بصلة إلى واقعه، أو على رموز يعتقد بقداستها من غير مقدمات فكرية أو مضامين واضحة. إنه إيمان بالصورة أكثر مما هو إيمان بالمعنى. وربما يصبح خدش الصورة، في وعيه، طعنًا في شرف المبادئ نفسها. فهل ابتعدنا يومًا عن الخرافة، أم أننا نعيش عودة الفراغ في حضارة الصورة؟
تعيدني ثقافة الصورة إلى المصور الشمسي في السوق الكبير بالناصرية. كان يدخل رأسه تحت خرطوم القماش، وسط دهشتنا، ثم يخرج بعد دقائق والصورة في يده، مبللة بسائل التحميض. وأتذكر المصورين الجوالين في ساحة التحرير وشارع أبي نؤاس أيام الأعياد، والمحلات التي اشتهرت بالتصوير، مثل المصور فليح والمصور رشيد مجيد، حيث كانت الصور المعروضة خلف الزجاج تشكل فرجةً عابرة للمارة. تلك مهن اختفت، وسحبت معها الصورة الورقية، والجملة التي كثيرًا ما كانت تُكتب على ظهرها: “الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان.”
ما يزال جزء كبير من المجتمع، ومعه بعض العناوين السياسية، مفتونًا بالصورة. وليس ذلك، في تقديري، علامة على العبقرية، بل على بلوغ النرجسية الفارغة ذروتها، فهو يحافظ على الصورة لأنها جزء من تاريخه، أو من استلابه الذي يرافقه من دون أن يدرك معناه.
لا يسأل: ماذا تمثل الصورة؟ ولا: ماذا يأتي بعدها؟
لأنه وجد في الصورة وثنه، والوثن لا يطلب من المؤمن به أن يفهمه، بل أن يحرسه. لذلك لا يسأل: ماذا تعني الصورة؟ بل يسأل: كيف أحافظ عليها؟

اترك رد