الحسين (عليه السلام ) ومنهج المقاومة… السيد علي خامنئي امتداد الموقف…سالم الساعدي

منبر العراق الحر :

إن عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية تستحضر كل عام، بل هي مدرسة متجددة في الوعي والإصلاح ومواجهة الظلم. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن رمزاً لمرحلة زمنية محددة، وإنما أصبح عنواناً خالداً للحق والكرامة والتضحية في سبيل المبادئ. ومن هنا، فإن استذكار نهضته ينبغي أن يدفعنا إلى التأمل في رسالتها، وقراءة واقعنا على ضوء قيمها، لندرك أن الصراع بين الحق والباطل يتجدد بتجدد الأزمنة، وأن المواقف هي ذاتها التي سبقتنا والتي تصنع التاريخ.

في كل عام، تتجه ملايين القلوب إلى كربلاء، وتسير الأقدام في درب الإمام الحسين (عليه السلام)، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق المسير هو: هل نعرف الحسين؟ وهنا ليس السؤال نسبه الشريف، فهو الحسين بن علي بن أبي طالب وامه فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمر لا خلاف عليه، غير أن الأهم هو إدراك مشروعه الإصلاحي، وهل هو رسالة للاجيال التي تليه لتتخذ نفس الموقف حين الشعور بنفس الخطر هنا نقف لنفهم أهداف نهضته، واستيعاب الرسالة التي استشهد من أجلها.
لم يخرج الإمام الحسين (عليه السلام) طلباً للسلطة أو مكسب دنيوي، وإنما خرج دفاعاً عن المبادئ والقيم الإسلامية، ورفضاً للظلم والانحراف الذي رآه قد استشرى في الأمة. لذلك رفض البيعة ليزيد، وعد الخضوع للظالم تفريطاً بالدين والكرامة، فكانت ثورته عنواناً خالدًا لكل من يقف بوجه الاستبداد في مختلف العصور. ويؤكد القرآن الكريم أن سنن التاريخ تتكرر، وأن الصراع بين الحق والباطل لا ينتهي،
قال تعالى:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
كما أخبر النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع…»، في إشارة إلى أن الابتلاءات وأنماط الصراع التي مرت بالأمم السابقة ستتكرر في الأمة الإسلامية، وإن اختلفت الازمان و الأسماء والظروف.
ومن هذا المنطلق، نرى أن لكل عصر رموزه ومواقفه، وأن معسكر الحق ومعسكر الباطل لا يزالان حاضرين في واقع الأمة، وإن اختلفت الشخصيات عن شخصيات صدر الإسلام. وبحسب المعطيات والاحداث والضلم الحاصل والذي نراه على الامة الاسلامية بدئا من غزة مروراً بجنوب لبنان واليمن وانتهى بايران ثم العراق ، ان امريكا بقيادة الرئيس المجرم طاغية العصر ويزيد زماننا ترامب تمثل نموذجا للهيمنة والظلم في هذا العصر، بينما تمثل الجمهورية الاسلامية بقيادة السيد الولي الشهيد علي الخامنئي ومن يؤيده موقفاً في مواجهة تلك الهيمنة، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني المساواة التاريخية أو الدينية بين هذه الشخصيات وبين الإمام الحسين أو يزيد، وإنما هو تشبيه يتعلق بطبيعة المواقف من الظلم والوقوف في وجهه. قد أثبت الإمام الحسين (عليه السلام) أن المبادئ لا تقاس بالمكاسب، وأن التضحية من أجل الحق هي الطريق إلى الخلود. ومن هنا، نرى أن الإمام الشهيد استلهم مدرسة كربلاء في مواقفه، فرفض المساومة، وقدم نفسه وأسرته وأنصاره قرباناً لما يؤمن به، مجسداً قيم الثبات والصبر والتضحية، ومؤكداً أن نهج عاشوراء ليس ذكرى تاريخية، بل مشروعا متجدداً في كل زمان. أن ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز حدود السياسة والمصالح، ليصل إلى صراع فكري وعقائدي حول هوية الأمة ومستقبلها. وقد تصور بعض وسائل الإعلام هذا الصراع على أنه تنافس على النفوذ،والمصالح ، إلا أن أصحاب هذا البصيرة والرأي يعتقدون أن جذوره أعمق من ذلك، وأنه يتعلق بالدفاع عن العقيدة والقيم الإسلامية. أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دفعت، وما تزال تدفع، ثمن مواقفها تجاه قضايا الأمة، وأن الهدف الحقيقي لخصومها يتمثل في إضعاف الهوية الإسلامية والعقيدة الحقة وإفراغها من مضمونها، مستشهدا لكن هيهات انا لهم ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
إن مدرسة الإمام الحسين (عليه لسلام) لا تدعو إلى الاكتفاء بإحياء الذكرى، بل إلى استلهام قيمها في مواجهة الظلم، والتمسك بالحق، والدفاع عن المبادئ، كل بحسب موقعه ومسؤوليته. فالقضية الحسينية، في نظر المؤمنين بها، ليست حدثاً تاريخياً عابر و انتهى، وإنما رسالة مستمرة تتجدد مع كل مرحلة من مراحل الصراع بين العدل والظلم، حتى يتحقق الوعد الإلهي بإقامة الحق. ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي للإمام الحسين لا يكون بمجرد ترديد عبارة: «يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما»، بل يكون بتحويل هذه الأمنية إلى موقف عملي، والالتزام بقيم عاشوراء في نصرة الحق ورفض الظلم، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الوجوه. فالتاريخ يعيد امتحان الإنسان في كل عصر، ويبقى السؤال نفسه حاضرا: مع أي معسكر سيكون الموقف؟
ما دامت هناك معركة بين العدل والباطل. ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي للحسين (عليه السلام) لا يكون بالبكاء عليه فحسب، بل بالسير على نهجه والثبات على مبادئه، ليكون كل جيل على قدر مسؤوليته في نصرة الحق وإقامة العدل، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

اترك رد