بين قداسة الوصاية وكرامة الإنسان ***’*ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
الحرية الوحيدة التي يبدو أنها ازدهرت في كثير من مجتمعاتنا ليست حرية التفكير، ولا حرية الإبداع، ولا حرية الضمير
الحرية الوحيدة المتاحة في مجتمعاتنا، هي حرية التدخل في شؤون الآخرين!
هي حرية التطَفل والمراقبة والتسلط وفرض السيطرة! هي حرية إختراق خصوصيتك! طبعا مع إبداء الرأي في نواياك ومظهرك وأفكارك؛بالإضافة إلى تحديد مصيرك بعد الموت إنطلاقا من رؤيتهم ومنظورهم
ما أتعس الإنسان حين يولد في بقعة جغرافية لا يملك فيها أفكاره، ولا أحلامه، ولا أمنياته، ولا حتى حقه في أن يتخيل عالما آخر.
ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات عمره في مكان يشعره أن كل شيء فيه مستعار؛ صوته مستعار، وخياراته مستعارة، وحتى صورته عن نفسه تصاغ بأيدي الآخرين. يعيش محاصرا بنظرات لا ترحم، وأحكام لا تنتهي، وتوقعات لا يستطيع الإفلات منها، حتى يفقد تدريجيا القدرة على معرفة من يكون حقا.
ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات العمر في وطن يتفتقد فيه خصوصيته و ابسط حقوقه الإنسانيه
الجميع يراقب، والجميع يحاكم، والجميع يمنح نفسه سلطة لا يملكها. يسألون عن تفاصيل حياتك، ويقيمون اختياراتك، ويصادرون حقك في الاختلاف، ثم يمضون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيفتشون في النوايا، ويصدرون الأحكام على الضمائر، بل ويتجرأ بعضهم على توزيع مفاتيح الجنة والنار، وكأنهم أوكل إليهم الفصل في مصائر البشر
وأصبح كل فرد رقيبا على الآخر، وقاضيا عليه، وسجانا له. واصبحت الحياة شبكة من العيون التي لا تنام، والألسنة التي لا تتوقف عن إصدار الأحكام، حتى بات الإنسان يختنق داخل ذاته، ويخشى أن يفكر بصوت مرتفع، أو يحلم بحياة لا تشبه ما ألفه الجميع
لقد أصبح الإنسان يعيش تحت احتلال اجتماعي دائم. ليس احتلالا للأرض، بل للعقل والوجدان. فحتى أفكارك لم تعد ملكك، بل تنتظر موافقة الجماعة. وحتى أحلامك يجب أن تمر عبر رقابة المجتمع. وحتى مظهرك،
وضحكتك، وصمتك، وصداقاتك، وكتبك، وأسئلتك، كلها تتحول إلى ملفات مفتوحة للمراجعة والتقييم.
ولأن الوصاية لا تعرف حدودا، فإنها لا تكتفي بما تراه العين، بل تمتد إلى ما لا يعلمه إلا الله. يفسرون نياتك، ويحددون مقاصدك، ويحاكمون ضميرك، ثم يمنحون أنفسهم الحق في إصدار الأحكام على آخرتك
اعتقد ان الأمم لا تنهض لأن أبناءها متشابهون، بل لأنها تحترم اختلافهم. فكل إنجاز إنساني عظيم بدأ بفكرة خالفت السائد، وكل نهضة ولدت من عقل رفض أن يستعير وعيه من الآخرين. أما المجتمع الذي يصادر الفرد، فلن ينتج إلا نسخا متطابقة، تتشابه في الخوف، وتتوارث الصمت، وتعيد إنتاج التخلف جيلا بعد جيل.
ولعل أعظم اختبار لأخلاق الإنسان ليس مقدار تدينه، ولا كثرة شعاراته، ولا صخب مواعظه، بل قدرته على احترام المسافة التي تبدأ عندها حرية الآخر.
لا تسمح لأحد أن يحتل عقلك باسم النصيحة، ولا أن يصادر ضميرك باسم الفضيلة، ولا أن يرسم لك حدود أحلامك باسم العادات، ولا أن يختار لك كيف تفكر، أو كيف تعيش، أو حتى كيف تلقى ربك. احتفظ بمساحتك الإنسانية دائما
لا تسمح لأحد أن يعيش داخل رأسك، أو أن يتكلم بلسان ضميرك، أو أن يصادر حقك في أن تكون مختلفا.
لا تسمح لأحد أن يقنعك بأن الطاعة فضيلة إذا كانت ثمنا لفقدان ذاتك، ولا بأن الصمت حكمة إذا كان خوفا، ولا بأن التشابه نجاة إذا كان موتا للعقل. قاوم كل من يريد أن يصنع منك نسخة أخرى من القطيع.

اترك رد