«لماذا لم تستهدف إيران إسرائيل أخيرًا؟» الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

التقرير الاستراتيجي رقم (39): «معادلة الرد الإيراني»

31 تموز / يوليو 2026

⏺️ تمهيد ومقاربة المفهوم

منذ اندلاع المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية الأخيرة، برز سؤال ظل يتكرر في مراكز الدراسات، والبرامج السياسية، والأوساط العسكرية أكثر من أي سؤال آخر: لماذا لم تستهدف إيران إسرائيل أخيرًا، رغم أن إسرائيل أعلنت مسؤوليتها عن استهداف القيادة الإيرانية العليا، واستمرت في ضرب أهداف استراتيجية داخل العمق الإيراني؟ وللوهلة الأولى، قد يبدو الجواب بسيطًا؛ بين من يفسره بالخوف، أو بالعجز، أو بالرغبة في تجنب الحرب. إلا أن القراءة الاستراتيجية تكشف أن المسألة أعقد بكثير من هذه التفسيرات المباشرة. فالدول لا توزع استخدام القوة وفق ردود الفعل العاطفية، وإنما وفق حسابات دقيقة تتعلق ببقاء النظام، وميزان الردع، وكلفة التصعيد، وطبيعة الخصم، وحدود التحالفات، وسقف المخاطر المقبولة.

ومن هذا المنطلق، لا يحاول هذا التقرير القول إن إيران توقفت عن الرد على إسرائيل، وإنما يسعى إلى تفسير سبب تراجع تركيز الاستهداف الإيراني المباشر لإسرائيل خلال المرحلة الأخيرة، مقابل اتساع دائرة الرد نحو القواعد الأمريكية، والأهداف الإقليمية، وممرات الطاقة والملاحة الدولية. وتنطلق فرضية هذا التقرير من أن معادلة الرد الإيراني لم تُبنَ على سؤال: «من يستحق الرد؟»، بل على سؤال أكثر أهمية: «أين يحقق الرد أعلى عائد استراتيجي بأقل كلفة وجودية؟» ومن هنا، يحاول التقرير تفكيك أبرز العوامل التي حكمت هذا التحول في توزيع القوة الإيرانية، استنادًا إلى أدبيات الردع وتحليلات مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية الدولية.

ففي عالم الاستراتيجية، لا تكمن أهمية القوة في امتلاكها وحده، بل في اختيار المكان والزمان اللذين يمنحان استخدامها أعلى قيمة سياسية وأمنية.

1️⃣ أولوية بقاء النظام… العقيدة التي تسبق الانتقام

منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تُبنَ العقيدة الأمنية الإيرانية على تعظيم الرد العسكري بقدر ما بُنيت على ضمان بقاء النظام السياسي نفسه. فكل قرار استراتيجي كبير يُوزن أولاً بميزان استمرار النظام، ثم بميزان المكاسب العسكرية أو الرمزية. ومن هذا المنطلق، فإن توجيه ضربة مباشرة وواسعة إلى إسرائيل بعد الضربات التي طالت القيادة الإيرانية قد يمنح تل أبيب وواشنطن المبرر السياسي والعسكري لتوسيع الحرب إلى مستوى يهدد بنية النظام الإيراني ذاتها، وهو ما يجعل القيادة الإيرانية تميل إلى إدارة التصعيد لا الانجرار إليه.

ولهذا، فإن السؤال داخل طهران لم يكن: كيف ننتقم؟ بل: كيف ننتقم دون أن نخسر النظام؟

مرجع التحليل:
CSIS – RAND Corporation.

2️⃣ تآكل استراتيجية “الدفاع الأمامي”

اعتمدت إيران طوال العقود الماضية على استراتيجية “الدفاع الأمامي”، أي نقل خطوط الاشتباك خارج حدودها عبر شبكة واسعة من الحلفاء والأذرع الإقليمية. إلا أن الضربات المتتالية التي تعرضت لها هذه الأذرع، ولا سيما خلال الأشهر الأخيرة، أضعفت قدرة هذه المنظومة على تشكيل الحزام الدفاعي الذي كانت تعتمد عليه طهران في ردع خصومها.

وأصبح الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل يعني انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني دون العمق العملياتي الذي وفرته هذه المنظومة لسنوات طويلة، الأمر الذي فرض على القيادة الإيرانية إعادة تقييم فلسفة توزيع القوة وأساليب الرد.

مرجع التحليل:
Brookings Institution – SIPRI.

3️⃣  الوكلاء… البديل الأقل كلفة

لم تُبنَ العقيدة العسكرية الإيرانية على مبدأ المواجهة المباشرة مع الخصوم، وإنما على إدارة الصراع عبر شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة الإقليمية، بما يسمح بنقل ساحة الاشتباك بعيداً عن الأراضي الإيرانية وتقليل كلفة الحرب على الداخل الإيراني. ورغم أن هذه المنظومة تعرضت خلال الأشهر الأخيرة لضربات مؤثرة، فإنها ما زالت تمثل بالنسبة لطهران أداة أكثر مرونة من الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. فالعمل عبر الوكلاء يمنح القيادة الإيرانية هامشاً أوسع في إدارة التصعيد، وإمكانية الإنكار السياسي، وتوزيع الضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.

ومن هنا، فإن تراجع الاستهداف المباشر لإسرائيل لا يعني تراجع الصراع، بقدر ما يعكس انتقاله إلى ساحات أخرى تُدار فيها الحرب بأدوات مختلفة وكلفة أقل.

مرجع التحليل:
CSIS – Brookings Institution – International Crisis Group.

4️⃣ الفجوة التكنولوجية وحدود القوة العسكرية

لا يتعلق ميزان القوة بين إيران وإسرائيل بعدد الصواريخ وحدها، وإنما بالفجوة النوعية في التكنولوجيا العسكرية. فإسرائيل تمتلك سلاح جو حديثاً، وطائرات شبحية، وقدرات استخبارية وفضائية متقدمة، إلى جانب منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، بينما تعتمد إيران بدرجة أكبر على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لتعويض النقص في القوة الجوية التقليدية.

وقد كشفت المواجهات الأخيرة حدود القدرة الإيرانية على اختراق هذه المنظومات بصورة تحقق أثراً استراتيجياً حاسماً، الأمر الذي يجعل أي هجوم واسع محفوفاً بخطر استنزاف جزء مهم من الترسانة الصاروخية دون تحقيق نتائج تتناسب مع كلفته.

مرجع التحليل:
IISS – The Military Balance.

5️⃣ واشنطن… الفيتو الحقيقي على الحرب

لا تنظر القيادة الإيرانية إلى إسرائيل باعتبارها خصماً منفصلاً عن الولايات المتحدة، بل باعتبارها جزءاً من منظومة ردع واحدة. ولهذا تدرك طهران أن أي ضربة كبيرة ضد إسرائيل قد تُفسَّر في واشنطن على أنها استهداف مباشر للمصالح الأمريكية، بما يفتح الباب أمام تدخل عسكري أمريكي واسع يصعب احتواء تداعياته.

ومن هنا، اتجهت إيران إلى توزيع رسائلها العسكرية بين القواعد الأمريكية، والممرات البحرية، وبعض الأهداف الإقليمية، باعتبارها أدوات ضغط تحقق أثراً سياسياً وعسكرياً دون تجاوز السقف الذي قد يقود إلى حرب أمريكية شاملة. وهكذا، لم يكن تغيير جغرافية الرد تعبيراً عن تغيير في الخصومة مع إسرائيل، بقدر ما كان تعبيراً عن قراءة مختلفة لمركز صناعة القرار داخل التحالف المقابل.

مرجع التحليل:
RUSI – Reuters.

️ 6️⃣ حماية المشروع النووي… الوقت أثمن من الحرب

لا يقتصر التفكير الاستراتيجي الإيراني على إدارة المعركة الحالية، بل يمتد إلى حماية المشروع النووي باعتباره أحد أهم عناصر الردع المستقبلية. وتشير تقديرات عدد من مراكز الدراسات الغربية إلى أن إيران أصبحت تمتلك قاعدة معرفية وتقنية متقدمة، وأنها تقترب من “عتبة الردع النووي”، مع استمرار الجدل حول توقيت وإمكانية الانتقال إلى مرحلة التسلح إذا اتخذ القرار السياسي.

ومن هذا المنطلق، فإن خوض حرب شاملة مع إسرائيل في هذه المرحلة قد يمنح خصومها المبرر لتوجيه ضربات واسعة إلى المنشآت النووية، وهو ما يجعل عنصر الزمن أكثر قيمة من المغامرة العسكرية.

مرجع التحليل:
IAEA – Institute for Science and International Security (ISIS).

7️⃣ حرب الاستنزاف… البديل عن الحرب الشاملة

يبدو أن العقل الاستراتيجي الإيراني يميل إلى إدارة الصراع وفق مبدأ “الاستنزاف طويل الأمد” بدلاً من البحث عن معركة فاصلة. فإطالة أمد الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية على الخصوم، واستنزاف مواردهم على أكثر من جبهة، قد يحقق مكاسب استراتيجية أكبر من ضربة عسكرية مباشرة قد توحد خصوم إيران وتمنحهم شرعية أوسع لتوسيع الحرب.

ولهذا، فضّلت طهران توزيع الضغط على مسارح متعددة بدلاً من تركيزه في مواجهة مباشرة واحدة مع إسرائيل.

مرجع التحليل:
Foreign Policy – RAND Corporation.

8️⃣ الاقتصاد… الجبهة التي لا تقل خطورة عن الحرب

تدرك القيادة الإيرانية أن أي حرب شاملة لن تُدار في ميدان القتال فقط، بل ستنعكس مباشرة على الداخل الإيراني الذي يواجه تحديات اقتصادية وضغوطاً معيشية وعقوبات ممتدة. ولهذا، فإن توسع الحرب قد يحمل مخاطر تتجاوز الخسائر العسكرية لتصل إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية يصعب احتواؤها، وهو ما يدفع صانع القرار الإيراني إلى موازنة كل خطوة عسكرية بميزان الاستقرار الداخلي.

مرجع التحليل:
RAND Corporation – IMF – World Bank.

9️⃣ سقف الردع غير التقليدي

يبقى احتمال انتقال إيران إلى العتبة النووية أحد عناصر الردع التي تتداولها مراكز الدراسات الغربية، ويقابله في الأدبيات الاستراتيجية الإسرائيلية احتمال استدعاء «خيار شمشون» عند بلوغ التهديد مستوى وجودياً. ويمثل هذا السقف غير التقليدي أحد أهم عوامل الكبح التي تدفع جميع الأطراف إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.

مرجع التحليل:
FAS – SIPRI – الأدبيات الاستراتيجية الإسرائيلية حول Samson Option.

🔟 «معادلة الرد الإيراني»

في ضوء هذه المعطيات، يتبين أن السؤال لا يتعلق بقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، وإنما بطريقة توظيفها. فإيران لم تُلغِ خيار الرد، لكنها أعادت توزيع أدواته بين القواعد الأمريكية، والممرات البحرية، والأهداف الإقليمية، ووكلائها في المنطقة، انطلاقاً من قناعة بأن الضغط على المنظومة الداعمة لإسرائيل قد يحقق عائداً استراتيجياً أكبر من تركيز الضربات على إسرائيل وحدها.

وبذلك، فإن معادلة الرد الإيراني خلال الأشهر الأخيرة لم تُبنَ على سؤال: «من يستحق الرد؟» بقدر ما بُنيت على سؤال آخر أكثر أهمية: «أين يحقق الرد أعلى عائد استراتيجي بأقل كلفة وجودية؟»

مرجع التحليل:
CSIS – CFR – RUSI – Reuters.

⏺️ الخاتمة الاستشرافية

وفي المحصلة، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت إيران تمتلك القدرة على استهداف إسرائيل، بل لماذا اختارت خلال المرحلة الأخيرة توزيع أدوات ردها على مسارح إقليمية متعددة بدلاً من تركيزها على إسرائيل وحدها.

وتكشف هذه القراءة أن القرار الإيراني لم يكن محكوماً بالرغبة في الانتقام وحدها، بل بمعادلة أكثر تعقيداً تجمع بين بقاء النظام، وحماية المشروع النووي، وإدارة الردع، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة قد تتجاوز حدود الحرب التقليدية.

ومن هنا، فإن معادلة الرد الإيراني لا تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بالكيفية التي تُوزَّع بها أدوات القوة لتحقيق أكبر أثر سياسي وعسكري بأقل كلفة وجودية.

وربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا لم تستهدف إيران إسرائيل أخيراً؟ بل: لماذا رأت أن توزيع الرد على المنظومة المحيطة بإسرائيل يحقق، في هذه المرحلة، عائداً استراتيجياً أكبر من تركيزه عليها وحدها؟

اترك رد