منبر العراق الحر :
يُقصد بالبارانورمال في هذا المقال توظيفُ العناصر الخارقة للمألوف داخل العالم التخييلي للنص، أما التابو فهو منظومة المحظورات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية التي يتجنبها الخطاب المباشر، أو يتحفظ في مقاربتها. وحين يلتقي الخارق بالمحظور، لا يعود البارانورمال مجرد عنصر غرائبي، بل يتحول إلى لغةٍ رمزيةٍ تمنح الأدب قدرةً على قول ما يتعذر قوله مباشرة.
في توظيفه الرمزي، لا يُستحضر البارانورمال في الأدب لإثبات وجود الظواهر الخارقة للطبيعة، بل بوصفه وسيلةً تخييليةً تُوسِّع أفق الدلالة، وتمنح النص قدرةً على الإفصاح عما يعجز الواقع المباشر عن التعبير عنه.
وقد يغدو البارانورمال حيلةً تخييليةً لتجاوز التابو وإطلاق سراح المسكوت عنه. فعندما تحول السلطة، أو الأعراف، أو الخوف، أو الرقابة، دون التصريح بالحقيقة، يستعير الكاتب ما وراء الطبيعي ليمنح المعنى منفذًا آخر. فيتكلم القبر، وتعود الأرواح، وتتمرد الأشياء الصامتة، لا لإقناع القارئ بوجود الخارق، بل لتوسيع أفق الحقيقة الأدبية، وتحرير المعنى من قيود التعبير المباشر.
ولا ينجح هذا التوظيف إلا لأن ثمة ميثاقًا تخييليًا غير معلن بين الكاتب والمتلقي؛ فالقارئ، منذ دخوله العالم السردي، لا يبحث عن صدق الخارق، بل عن صدق دلالته. ولذلك يعلِّق سؤال: هل وقع هذا حقًّا؟ ليطرح سؤالًا آخر: ماذا يعني هذا؟ ومن هنا يتقبّل البارانورمال ما دام يؤدي وظيفةً دلاليةً وجماليةً داخل النص، ولا يتحول إلى غايةٍ في ذاته.
وانطلاقًا من هذا الميثاق، فإن شخصيات المخيال الشعبي، كالطنطل والسعلوة، ليست في الأدب مجرد كائنات خرافية، بل قد تتحول إلى أقنعةٍ رمزيةٍ للتابو. فمن خلالها يلتف الكاتب على المحظور، ويُمرِّر ما تعجز اللغة المباشرة عن التصريح به، من غير أن يشعر القارئ أحيانًا بأنه يواجه التابو ذاته، لأنه يتلقاه في صورةٍ تخييليةٍ ورمزية.
وهكذا، لا يكون البارانورمال هروبًا من الواقع، بل طريقةً لإعادة تشكيله وكشف طبقاته المستترة. إنه لا ينافس الواقع، بل يوسِّع إمكانات التعبير عنه، حتى يغدو الخارق لغةً رمزيةً لتحرير المعنى، وكشف المسكوت عنه، والمساهمة في بناء الحقيقة الأدبية.
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر