منبر العراق الحر :
في ذلك الصباح، لم تكن الشمس قد أشرقت بعد على قرى سنجار، لكن الظلال كانت قد بدأت تزحف من بعيد؛ سوداء، ثقيلة، تحمل معها رائحة الموت.
كانت إيفا، ذات الأعوام السبعة، تجلس في حجر أمها مارينا، وتعبث بخصلات شعرها الأشقر التي تشبه سنابل القمح في حقول القرية.
في الجهة الأخرى من البيت، كان داود يجمع الأوراق الثبوتية وبعض النقود في حقيبة بالية، ويتفقد السيارة القديمة للمرة الأخيرة.
جاء الخبر كالصاعقة: داعش تقترب.. , القرى تسقط.. , والناس يهربون.
أما العالم، فكان يتفرج.
قالت مارينا، وهي تضم ابنتها إلى صدرها:
— داود… إلى أين سنذهب؟
أجاب وهو يحاول أن يخفي ارتجاف يديه:
— إلى الجبل.
— جبل سنجار؟
— نعم.. , هناك يمكننا أن نتنفس.
رفعت إيفا رأسها إليه.
— بابا… هل الملائكة ستحمينا هناك؟
توقف لحظة.
نظر إلى عينيها الواسعتين، ثم ابتلع غصته وقال:
— نعم يا صغيرتي… لا تخافي.
لم يكن يعرف إن كان يكذب عليها أم يكذب على نفسه.
كانت السيارة القديمة تحمل أكثر مما تحتمل.
الأم مارينا، والرضيع شفان، والجدة خنساء، والعم آزاد الذي فقد ساقه في حرب سابقة، ودلال ابنة العم ذات الثلاثة عشر عامًا، وزيد، وإيفا، وداود الذي كان يقود كأن حياته كلها معلقة بالمقود.
ثمانية أرواح داخل صندوق معدني صغير، يركض بها الطريق نحو جبل لا يعرفون إن كان سيمنحهم النجاة أم يؤجل موتهم.
على الطريق الترابي، كان الغبار يملأ الأفق.
ثم جاء صوت الرصاص.
ظهرت سيارات المسلحين في المرآة الخلفية، سوداء كأنها خرجت من قلب الليل.
قال آزاد:
— داود! إنهم يقتربون!
ضغط داود على دواسة الوقود.
— السيارة لا تستطيع أكثر!
كانت السيارات والدواب والناس تتدافع على الطريق.. , بعضهم يركض، وبعضهم يجر أطفاله، وبعضهم يلتفت إلى الخلف ثم يواصل الركض..
تساقط الهاربون من حولهم كأوراق خريف جافة في مهب ريح لا ترحم..
كان الموت يختار ضحاياه بلا موعد ولا تمييز.
رصاصة هنا.
صراخ هناك.
سيارة تنحرف.
طفل يبكي.
امرأة تسقط.
والجبل، البعيد، يزداد اقترابًا وبُعدًا في الوقت نفسه.
اخترقت رصاصة الزجاج الخلفي.
صرخت دلال.
بكى شفان.
وأصيب آزاد في كتفه … ؛ إصابة طفيفة.
أما خنساء، فأطبقت شفتيها ورفعت عينيها إلى السماء.
قالت بصوت خافت:
— يا رب… خذني أنا، واترك الصغار.
ثم جاء المنعطف.
كان حادًا.
ارتجت السيارة بعنف.
وفجأة انفتح الباب الخلفي الذي ظل معطلًا منذ أشهر.
سمع داود صرخة واحدة:
— باباااا!
التفت في المرآة.
رأى إيفا.
رأى فستانها الأزرق المطرز بالورود الحمراء.
رأى جسدها الصغير يتدحرج على التراب.
رأى يديها ممدودتين نحوه.
ورأى عينيها.
العينين اللتين سألتهما قبل قليل عن الملائكة.
ضغط الفرامل بغريزة الأب.
صرخ:
— إيفا!
لكن آزاد أمسك كتفه بقوة.
— لا تتوقف!
— ابنتي!
— إذا توقفت سنموت جميعًا!
تردد داود.
ثانية واحدة.
ربما أقل.
لكن تلك الثانية كانت أطول من عمر كامل.
كان يستطيع أن يعود إليها.
وكان يستطيع أن ينقذ الباقين.
وكان يعلم أن أي اختيار سيتخذه سيترك في قلبه قبرًا.
ثم ضغط على دواسة الوقود.
تحركت السيارة.
بقيت إيفا خلفهم.
وبقي قلب أبيها معها.
بعد ساعات، وصلوا إلى مغارة صغيرة في سفح الجبل.
لم يتحدث أحد.
كانت مارينا تحدق في داود.
كان شفان قد نام من الإرهاق.
ودلال تبكي بصمت.
وخنساء تعالج جرح كتفها.
أما آزاد فكان يضغط بيده على جرحه.
قالت مارينا أخيرًا:
— أين إيفا؟
لم يجب داود.
— أين ابنتي يا داود؟
أغمض عينيه.
— سقطت.
— سقطت؟
هز رأسه.
— من السيارة.
حدقت فيه كأنها لم تفهم.
ثم قالت:
— وتركتها؟
لم يجب.
صرخت:
— تركت ابنتك للوحوش؟
انحنى داود، وأمسك تراب المغارة بيديه.
— لو توقفت… لمات الجميع.
— كنت أفضل أن نموت جميعًا.
ظل صامتًا.
قال آزاد بصوت متعب:
— مارينا… لم يكن أمامه خيار.
نظرت إليه.
— بل كان أمامه خيار.. كان يستطيع أن يعود إلى ابنته.
ثم رفعت عينيها إلى سقف المغارة.
— أين الملائكة التي وعدتها بها … ؟
لم يجبها أحد.
مرّ الليل بطيئًا.
وفي الصباح، وصل إلى المغارة مزيد من الهاربين.
كانوا يحملون أخبارًا أسوأ من قدرتهم على الاحتمال.
قرية أُحرقت.
عائلة اختفت.
رجال قتلوا.
نساء اقتيدن.
وأطفال لم يعرف أحد أين انتهوا.
وكان الجبل يمتلئ بالهاربين كما تمتلئ المقابر بالموتى.
جلست امرأة تدعى شيرين على صخرة، تحدق في الفراغ.
قالت لإحدى النساء إنها فقدت ابنها أمام عينيها.
ثم صمتت طويلًا.
بعد ساعات، جاءها بعض المسلحين بطعام.
كانت جائعة.
أكلت.
ولم تعرف ما أكلت.
وحين أخبروها، انهارت.
لم تصرخ في البداية.
ظلت تنظر إلى يديها، كأنهما لم تعودا يديها.
ثم قالت:
— أطعموه للوحوش… ثم أطعموه لي.
وكانت تلك الجملة كافية لكي يصمت الجميع.
لم تحتج المأساة إلى شرح.
كان الجوع قد بلغ بهم حدًا جعل الموت نفسه يبدو أرحم من الطعام.
في اليوم التالي، اشتد العطش.
كان الماء قد أصبح أغلى من الذهب.
الأطفال يبكون بلا دموع.
الأمهات يبللن شفاه أطفالهن بآخر ما تبقى من الماء.
وبعضهن لم يعد لديهن شيء.
قال رجل من الهاربين إن هناك ماءً في جهة أعلى من الجبل.
فبدأ الناس بالصعود.
كانوا يتسلقون الصخور بأقدام متورمة وأجساد أنهكها الخوف.
كان كل واحد يحمل فوق كتفيه جحيمًا لا يُرى.
وبينهم كان إلياس يحمل ابنته الصغيرة إيفان.
كانت في التاسعة.
لم تكن قادرة على المشي.
قالت له بصوت بالكاد يُسمع:
— أبي… ماء.
توقف.
ضمها إلى صدره.
— سنصل.
— أريد ماء.
— سنصل إلى الماء.
كان يعرف أنه يكذب.
لكنه لم يكن يملك لها غير الكذبة.
أخذ يحدثها عن ينابيع الجبل، عن ماء «كانيـا سبي» البارد، وعن الثلج الذي سيأكلانه معًا عندما يصلان إلى القمة.
ثم سألته:
— أبي… لماذا يكرهوننا؟
توقف.
لم يجد جوابًا.
كيف يشرح لطفلة أن هناك من يرى اختلافها جريمة؟
كيف يشرح لها أن بعض البشر يستطيعون تحويل عقيدتهم إلى سكين، وأن الطفل قد يصبح في عيونهم عدوًا لمجرد أنه وُلد إيزيديًا؟
لم يجب.
حملها ومضى.
كان العطش يثقل جسده.
وفي سراب الظهيرة رأى أمه العجوز، داي بيري.
رآها في غرفتها الطينية.
رآها خلف الباب الذي لم تستطع فتحه.
رأى النار تلتهم البيت.
ثم شمّ رائحة الخبز الذي كانت تخبزه لهم صباح كل عيد.
أغمض عينيه.
وعندما فتحهما، لم يجد سوى الجبل.
قال لابنته:
— نامي يا إيفان… نامي يا قمري… سنصل قريبًا.
كانت لا تجيبه.
لكن إلياس استمر في الحديث.
كان يحتاج إلى صوتها أكثر مما كانت تحتاج إلى صوته.
أما داود، فقد ظل في المغارة طوال الليل دون أن ينام.
كان يسمع في رأسه صرخة إيفا.
بابا!
ثم يعود إلى اللحظة نفسها.
الطريق.
التراب.
الفستان الأزرق.
اليد الصغيرة.
وصوت آزاد: لا تتوقف.
خرج قبل الفجر.
وجد آزاد ينتظره.
قال له:
— إلى أين؟
— سأعود.
— تعرف أنها قد تكون ماتت.
— أعرف.
— وقد لا تجدها.
— أعرف.
— إذن لماذا؟
نظر إليه داود طويلًا.
— لأنني تركتها مرة.
ثم مضى.
كان الطريق الذي عادا منه أكثر هدوءًا من قبل.
لم يبقَ فيه سوى آثار الإطارات وبقايا الرصاص وأشياء تركها الهاربون خلفهم.
مشى داود وآزاد ساعات.
ثم رأى شيئًا أزرق على جانب الطريق.
توقف.
اقترب.
كان الفستان.
الفستان الأزرق المطرز بالورود الحمراء.
انحنى فوقه.
لم يجد إيفا.
وجد الفستان فقط.
أمسكه بيدين مرتجفتين.
وضمه إلى صدره.
لم يكن في الفستان جسد.
لكن رائحة ابنته بقيت فيه.
قال:
— سامحيني.
ثم سكت.
وبعد لحظة:
— كنتِ تسألينني عن الملائكة.
رفع رأسه نحو السماء.
— الآن… أنتِ أقرب إليهم مني.
قال آزاد:
— لم يكن أمامك خيار.
التفت إليه داود.
— ومن قال إن الحرب لا تترك لنا خيارًا؟
ثم نظر إلى الطريق.
— ومن صنع هذه الحرب؟
لم يجب آزاد.
قال داود:
— من أطلق هؤلاء؟
ظل صامتًا.
…
[الرسالة مقتطعة] عرض الرسالة بالكامل
منبر العراق الحر منبر العراق الحر