منبر العراق الحر :
هناك أشياء في حياة الإنسان تبدو عصية على أن تحسم بالعقل وحده، ويأتي الحب في مقدمتها؛ ذلك الشعور الغامض الذي يدخل حياتنا بلا استئذان، فيعيد ترتيب الأشياء من حولنا، ويجعل ما كان هامشيا في وجودنا مركزا، وما كان مستحيلا ممكنا، وما كان بعيدا أقرب من نبض القلب
ولهذا ظل الحب، منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن معنى وجوده، واقفا على الحدود الفاصلة بين العقل والغريزة، بين الحرية والحتمية، بين الفرد والجماعة، وبين حاجة الإنسان إلى الآخر ورغبته في أن يظل ذاته.
ولكن.
هل الحب اختيار فردي، كما يمكن أن نفهم من فلسفة هيجل،
أم أنه حيلة عمياء لإرادة الحياة كما يرى شوبنهاور؟
وهل المحب إنسان فقد شيئا من عقله، حتى وصفه نيتشه في سخريته الفلسفية بأنه أبله سعيد،
أم أن الحب، كما يرى إريك فروم، هو أعمق محاولة إنسانية للخروج من سجن العزلة ومغادرة حدود الفرد المنغلق على ذاته؟
إذا تأملنا الحب من منظور هيجل، فإننا لا نجد أمامنا مجرد انفعال عاطفي عابر، وإنما علاقة تكشف عن إحدى أعمق مشكلات الوجود الإنساني: حاجة الذات إلى الاعتراف.
فالإنسان، في المنظور الهيجلي لا يكتمل وعيه بذاته في عزلة مطلقة؛ إنه يحتاج إلى آخر يعترف به بوصفه ذاتا حرة ومستقلة. ومن هنا يمكن النظر إلى الحب باعتباره علاقة تتجاوز فيها الذات انغلاقها، دون أن تلغي ذاتيتها
أنا لا أحب الآخر لأنه نسخة مني، بل لأنني ألتقي فيه بما ليس أنا.
وهنا تكمن مفارقة الحب الكبرى: أبحث عن نفسي في الآخر، وأكتشف الآخر في نفسي.
لكن هل يعني ذلك أن الحب اختيار حر تماما؟
ليس بهذه البساطة
فنحن لا نختار نقطة البداية التي يأتي منها الحب. لا نختار دائما الشخص الذي يوقظ فينا ذلك الارتباك الأول، ولا نستطيع أن نصدر قرارا عقليا بأن نحب شخصا ما
لهذا فإن الحب يبدأ في الغالب، كحدث يقع لنا، ثم يتحول إن نضج إلى موقف نختاره
أما شوبنهاور فيذهب إلى منطقة أكثر قتامة.
الحب، في فلسفته، ليس بالضرورة ذلك الانتصار الرومانسي الذي تصوره القصائد، وإنما قد يكون قناعا ترتديه إرادة الحياة لكي تضمن استمرار النوع.
نحن نظن أننا نبحث عن السعادة الشخصية، بينما تكون الطبيعة ـ في تصور شوبنهاور ـ مشغولة بمهمة أخرى: استمرار الحياة.
ولهذا يبدو الحب، أحيانا، وكأنه مؤامرة بيولوجية شديدة الذكاء؛ تجعل الإنسان يعتقد أنه يختار شخصا بعينه لأنه يحبه، بينما تكون وراء هذا الاختيار قوى أعمق من وعيه، مرتبطة باستمرار النوع وتكوينه.
إنها الفكرة القاسية التي تسلب الحب بعضا من قدسيته الرومانسية
ربما لا نحب لأننا وجدنا الإنسان الأكثر ملاءمة لعقولنا، وإنما لأن شيئا أعمق منا دفعنا إليه.
ومع ذلك، فإن اختزال الحب في الغريزة وحدها يظل عاجزا عن تفسير جانب بالغ الأهمية من التجربة الإنسانية
فلو كان الحب مجرد آلية بيولوجية لاستمرار النوع، فكيف نفسر حب الإنسان الذي لا ينتظر من الآخر نسلا؟
وكيف نفسر حب الصداقة، وحب الأم، والحب الذي يستمر بعد انطفاء الرغبة؟
وكيف نفسر أن الإنسان قد يحب شخصا يعرف تماما أنه لن يكون له منه اولاد، بل قد يختار التضحية بنفسه من أجله؟
وعندما يضع نيتشه الحب تحت مطرقة نقده، فإنه لا يسمح لنا بأن نعيش الوهم الرومانسي بسهولة.
الحب، عنده، يمكن أن يكون حالة من فقدان المسافة النقدية. المحب يرى العالم من خلال الشخص الذي أحبه، ولذلك قد يصبح غير قادر على رؤية ما يراه الآخرون بوضوح
إن العاشق لا يرى المحبوب كما هو، وإنما كما يريده أن يكون.
وهنا تصبح عبارة «أبله سعيد» شديدة الدلالة؛ فثمة سعادة في الحب، لكنها سعادة قد تكون وليدة الوهم. إن الإنسان حين يحب قد يصنع من الآخر صورة لا وجود لها إلا في خياله، ثم يقع في حب الصورة، لا في حب الإنسان الحقيقي.
ولعل أكثر ما يؤلم في الحب ليس أن نكتشف أن الآخر تغير، وإنما أن نكتشف أنه لم يكن أبدا كما تخيلناه.
لكن نيتشه لا يمنحنا سببا كافيا لاحتقار الحب.
فحتى لو كان الحب يضعف مؤقتا قدرتنا على النقد، فإنه يكشف في الوقت نفسه عن شيء شديد العمق في الإنسان: حاجته إلى أن يمنح العالم معنى يتجاوز الحساب والمنفعة
أما مع مع إريك فروم يصبح السؤال أكثر إنسانية.
فالإنسان، في نظره، يعيش مفارقة مؤلمة: هو فرد مستقل، لكنه في الوقت نفسه يشعر بعمق انفصاله عن الآخرين.
نحن نولد منفصلين عن العالم، ونكبر ونحن نكتشف فرديتنا، لكن هذه الفردية نفسها قد تتحول إلى عزلة.
ومن هنا يصبح الحب محاولة لتجاوز العزلة دون تدمير الذات
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالحب الصحي، عند فروم، لا يعني أن أذوب فيك حتى أفقد نفسي، ولا أن أمتلكك حتى أفقدك حريتك. الحب الناضج هو أن أظل أنا وأن تظل أنت، ومع ذلك نستطيع أن نصنع مساحة مشتركة بيننا.
ولهذا فإن الحب ليس مجرد شعور.
إنه قدرة.
قدرة على العطاء، وعلى الرعاية، وعلى المسؤولية، وعلى احترام الآخر، وعلى معرفته كما هو لا كما أريده أن يكون.
رؤيتي في الحب
أما أنا، فلا أرى الحب اختيارا خالصا ولا غريزة عمياء، وإنما أراه تلك المنطقة الغامضة التي تتقاطع فيها حرية الإنسان مع ما لا يملك السيطرة عليه. نحن لا نختار دائما من يوقظ فينا الحب، ولا نملك أن نأمر القلب بأن يميل أو أن يمتنع؛ فثمة شيء يحدث قبل الإرادة، شيء يشبه النداء الخفي الذي يأتي من منطقة لا يصل إليها العقل بسهولة. لكنني لا أؤمن أن الحب يعفينا من مسؤولية الوعي. فاللحظة التي يقع فيها الحب قد لا تكون اختيارنا، أما الطريقة التي نحب بها فهي اختيارنا ومسؤوليتنا.
أنا لا أرى الحب امتلاكا للآخر، ولا ذوبانا فيه، ولا بحثا عن نصف مفقود كما توحي بعض الأساطير الرومانسية؛ فالإنسان، في رأيي، ليس نصفا ينتظر من يكمله، وإنما كائن مكتمل الإنسانية، يدخل الحب لا ليعثر على ذاته في الآخر، بل ليكتشف في حضوره أبعادا جديدة من ذاته. أحبك لا لأنني أريد أن أمتلكك، وإنما لأن وجودك يفتح في داخلي نافذة لم أكن أعرف أنها موجودة. ولا أريدك أن تصبح مثلي، كما لا أريد أن أفقد نفسي لأصبح مثلك؛ أريد أن نلتقي من موقع الاختلاف، وأن تكون المسافة بيننا مجالا للمعرفة لا سببا للخوف.
ولهذا أرى أن الحب الحقيقي ليس في شدة التعلق، وإنما في مقدار الحرية التي يستطيع أن يمنحها. كلما أحببت إنسانا دون أن أشعر بحاجتي إلى امتلاكه، اقتربت من معنى الحب؛ وكلما احتجت إلى السيطرة عليه كي أطمئن، كنت في الحقيقة أحب خوفي لا الإنسان. الحب الذي يخاف الحرية يتحول إلى سجن، والحب الذي يحترمها يصبح أعمق أشكال القرب
وأؤمن كذلك أن الحب ليس وعدا بالسعادة الدائمة، بل شجاعة الدخول في تجربة إنسانية بكل ما فيها من احتمال الفقد والألم والانكشاف. أن تحب يعني أن تسمح لإنسان آخر بأن يرى مناطق ضعفك التي اعتدت أن تخفيها، وأن تمنحه قدرة على أن يؤلمك، ومع ذلك لا تختار القسوة دفاعا عن نفسك. ولذلك فالحب، في أعمق معانيه، ليس ضعفا كما يظن البعض، بل شجاعة نادرة: أن تظل قادرا على العطاء في عالم تعلم أنه لا يمنح شيئا ضمانا للاستمرار.
وربما لهذا لا أرى الحب نقيضا للعقل. أنا أرفض أن أضع القلب والعقل في معسكرين متخاصمين؛ فالعقل يمنع الحب من أن يتحول إلى وهم، والقلب يمنح العقل شيئا من الدفء الذي يجعله إنسانيا. لا أريد حبا أعمى، كما لا أريد عقلا باردا. أريد ذلك الحب الذي يرى، ثم يختار؛ يشعر، ثم يتأمل؛ يقترب، لكنه لا يلغي المسافة؛ يمنح، لكنه لا يهدر الذات.
الحب عندي، في النهاية، ليس أن أجد شخصا أعيش من أجله، وإنما أن أجد في علاقتي به سببا لأن أعيش بصورة أكثر صدقا مع نفسي. هو ليس مغادرة للذات بقدر ما هو عودة إليها من طريق الآخر. وربما لهذا فإن أعمق ما يمكن أن يفعله الحب ليس أن يجعلنا نمتلك إنسانا، وإنما أن يجعلنا نعرف أنفسنا على نحو لم نكن قادرين عليه قبل أن نحب
فأنا لا أؤمن أن الحب هو أن تجد من يكملك
انا أؤمن أنه أن تجد من يجعلك أكثر اكتمالا دون أن ينتقص شيئا من حريتك، وأن تستطيع أن تقول للآخر: أريدك في حياتي، لا لأنني لا أستطيع الحياة دونك، وإنما لأن حياتي معك تصبح أوسع، وأعمق، وأكثر معنى.
لهذا لا أرى الحب سقوطا للعقل، وإنما لحظة يختبر فيها العقل حدود سلطته. ولا أراه انتصارا للغريزة، وإنما فرصة للإنسان لأن يرتقي بما هو غريزي إلى ما هو إنساني.
لذلك، إن كان شوبنهاور قد رأى في الحب حيلة الطبيعة لاستمرار النوع، وكان نيتشه قد رأى في العاشق شيئا من الأبله السعيد، وكان هيجل قد رآه في أفق الاعتراف المتبادل، وكان فروم قد فهمه بوصفه محاولة للخروج من عزلة الفرد؛ فإنني أرى الحب رحلة الإنسان من الغريزة إلى الوعي، ومن الحاجة إلى الاختيار، ومن الخوف من الوحدة إلى القدرة على المشاركة دون فقدان الذات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر