منبر العراق الحر :
إن إقصاء وزارة الإعلام من بنية النظام الديمقراطي، لا يعني إقصاء الدولة عن مسؤوليتها تجاه الإعلام، بل يستهدف، في جوهره، منع تحويل الإعلام إلى أداة لتلميع صورة الحكومة، أو ماكينة دعائية للسلطة، وإتاحة المجال أمام مؤسسات المجتمع وأحزابه وأفراده لممارسة حقهم في التعبير عن أفكارهم وآرائهم بحرية واستقلال.
هذا المبدأ الديمقراطي لا يترك المجال الإعلامي سائبا، بل يستند إلى وجود هيئات إعلامية مستقلة ضمن بنية الدولة، تتولى تنظيم القطاع الإعلامي وحماية حق التعبير، وتعمل بوصفها جهة فاصلة بين السلطة التنفيذية ومؤسساتها من جهة، وحرية الصحافة والرأي والتعبير من جهة أخرى.
ولا نريد هنا الخوض في مدى استقلال الهيئات العراقية التي أُطلق عليها دستورياً وقانونياً صفة “المستقلة”، بعد أن كرّست المحاصصة السياسية حضورها في مؤسسات الدولة، وتقاطعت في كثير من تطبيقاتها مع روح الدستور ومبدأ استقلال المؤسسات، لكن مراجعة عدد من قرارات هيئة الإعلام والاتصالات خلال الأسبوع الماضي، المتعلقة بإيقاف برامج ومنع ظهور إعلاميين ومحللين سياسيين، تثير أسئلة جدية حول طبيعة الدور الذي تمارسه الهيئة وحدود صلاحياتها.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض قرارات الإيقاف والمنع طالت برامج معروفة بانضباطها المهني، وموضوعيتها، وحرصها على الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية في تناول القضايا العامة.
إن قضية المنع والإيقاف تضعنا أمام إشكالية جوهرية وأسئلة مهمة، كيف يمكن أن ندّعي أننا نعيش في فضاء إعلامي حر، بينما تتحول الجهة المفترض أن تحمي حرية الإعلام إلى سلطة رقابية تُضيّق على الرأي النقدي؟!
إن الإعلام النقدي لا يستهدف الدولة بوصفها دولة، ولا يستهدف النظام السياسي لمجرد الاختلاف معه، وإنما يمارس إحدى أهم وظائف الصحافة في النظم الديمقراطية، أي الرقابة على أداء السلطة، وكشف مواطن الخلل والفساد، وطرح الأسئلة التي قد لا ترغب السلطة في سماعها.
أما أن تتحول الهيئة إلى جهة رقابية شديدة القسوة في تفسيرها وتطبيقها للقواعد، بحيث تصبح القرارات خاضعة لتقديرات شخصية أو سياسية، فذلك يخلق تعارضاً جوهرياً بين وظيفتها القانونية وبين الغاية الديمقراطية التي أُنشئت من أجلها.
والمشكلة لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما بالبنية التي تجعل بعض المواقع المفترض استقلالها عرضة للتأثيرات الحزبية والسياسية، وعندما تتداخل الانتماءات السياسية مع الوظيفة التنظيمية، يصبح التقاطع أمراً طبيعياً بين خطاب السلطة، أو ما يُفهم منه، وبين الخطاب الإعلامي النقدي المستقل.
وهنا تكمن خطورة المسألة، لأن الهيئات المستقلة يفترض أن تكون ضمانة للدستور والقانون، لا امتداداً للسلطة السياسية، وأن تحمي حرية التعبير لا أن تجعل الإعلامي يعيش تحت هاجس العقوبة والمنع.
*هل نمنع الإعلامي أم نحمي حرية الإعلام؟
ماذا يعني أن يُمنع إعلامي من ممارسة عمله لمدة تسعين يوماً لأنه عبّر عن رأي لا ينسجم مع قناعات رئيس الهيئة أو أحد أعضائها؟
وما المعيار القانوني والموضوعي الذي يجعل عبارة سياسية أو موقفاً نقدياً سبباً كافياً لمنع محلل سياسي من الظهور الإعلامي، ما دام لم يتضمن خطابه تحريضاً على العنف أو إساءة مجرّمة قانوناً أو انتهاكاً صريحاً للآداب العامة؟
إن التعبير عن موقف سياسي، حتى لو كان حاداً أو غير متوافق مع السلطة، لا ينبغي أن يتحول بحد ذاته إلى مخالفة تستوجب الإقصاء، فالديمقراطية لا تُختبر عندما يتحدث الجميع باللغة التي ترضي السلطة، وإنما عندما يستطيع المختلف أن يقول رأيه من دون أن يخشى العقوبة.
إن إسقاط الانتماءات السياسية والطائفية على عمل الهيئة يخرجها من طبيعتها التنظيمية والإعلامية، ويدفع بها باتجاه وظيفة أمنية ورقابية لا تنسجم مع فلسفة استقلالها، خصوصاً إذا أصبحت قراراتها مرتبطة بأهواء الأشخاص أو تقديراتهم السياسية، بدلاً من الاحتكام الصارم إلى القانون والمعايير المهنية.
ولهذا، وبتجرد تام، أدعو الزملاء رئيس وأعضاء مجلس أمناء الهيئة إلى إعادة قراءة القانون رقم (65) لسنة 2004 وتطبيق أحكامه بروح مهنية وقانونية، بعيداً عن النزعات الشخصية والانتماءات الحزبية والسياسية، وأن تكون حماية حرية الإعلام هي البوصلة الأساسية في عمل الهيئة.
ولا أقول سراً إن قطاعاً واسعاً من العاملين في الإعلام بات يشعر بحالة من الخوف والتردد تجاه دور الهيئة، حتى أصبح الرقيب الخارجي يزاحم الرقيب الذاتي الذي يمارسه الإعلامي على نفسه بحكم مسؤوليته المهنية، بل إن صورة “رجل الأمن” القامع للحرية بدأت تحل، في الوعي الإعلامي، محل صورة المؤسسة التي يفترض أن تحمي حرية الصحافة.
وهذا أمر خطير على الديمقراطية، وعلى صورة الدولة، وعلى مستقبل الإعلام العراقي.
لقد نص الدستور العراقي في المادة (38) على كفالة حرية التعبير عن الرأي والنشر والإعلام والاجتماع والتظاهر السلمي، وفرض على مؤسسات الدولة أن تتعامل مع هذه الحريات بوصفها حقوقاً دستورية، لا امتيازات قابلة للمنح والمنع وفقاً لتقديرات الأشخاص.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي أمام هيئة الإعلام والاتصالات ليس، كيف نعاقب الإعلامي؟ بل، كيف نحمي حرية الإعلام ونضمن في الوقت نفسه احترام القانون؟
فالهيئة التي تحمي حق المختلف في التعبير هي هيئة تؤدي وظيفتها الديمقراطية، أما الهيئة التي تجعل الخوف من العقوبة جزءاً من العمل الإعلامي، فإنها تبتعد عن جوهر الاستقلال، وتعيد إنتاج ثقافة المنع التي يفترض أن يكون النظام الديمقراطي قد تجاوزها.
والأشد إيلاماً أن هذا يحدث وسط صمت واضح من مجلس النواب، ونقابة الصحفيين، ونقابة المحامين، وسائر الجهات المعنية بحماية حرية الرأي والدستور.
إن استقلال الهيئة لا يُقاس بكونها خارج هيكل الوزارة، وإنما بمدى استقلال قرارها عن السلطة والحزب والشخص، وبقدرتها على حماية الإعلام حتى عندما يكون هذا الإعلام ناقداً للسلطة نفسها.
فحرية الرأي لا تحتاج إلى هيئة تمنحها الإذن، بل إلى مؤسسة تحميها من التعسف.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر