منبر العراق الحر :…التقرير الاستراتيجي رقم (46): «هندسة الاختناق»…21 آب / أغسطس 2026…
لم تعد الحرب على إيران تُقاس بعدد الطائرات التي تحلق فوق الخليج، ولا بعدد السفن التي تعبر مضيق هرمز.
بدأت الحرب تنتقل إلى مكان آخر:
إلى قدرة الدولة على التنفس.
فحين أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن واشنطن تتجه إلى ما وصفه بأنه «أكبر عملية عزل اقتصادي منسقة في تاريخ العالم»، لم يكن يتحدث عن حزمة عقوبات جديدة بالمعنى التقليدي. والأهم أنه وضع أمام الحلفاء معادلة تكاد تستعيد، بلغة الاقتصاد، عالم جورج بوش الابن بعد 11 سبتمبر:
«إما أن تكونوا معنا أو ضدنا».
ثم ذهب أبعد من ذلك، معلناً أن الضغط الاقتصادي يستهدف دفع النظام الإيراني نحو الانهيار. بذلك خرجت العقوبات من وظيفة تعديل السلوك، واقتربت من وظيفة أخطر: التأثير في قدرة النظام نفسه على البقاء.
وهنا تبدأ «هندسة الاختناق».
إنه انتقال، في القراءة الاستراتيجية، «من الغضب العسكري الكلاسيكي» إلى «الغضب الاقتصادي الشامل».
منظومة خنق مالي لا تستهدف الاقتصاد الإيراني وحده، بل كل شريان خارجي يسمح له بتحويل موارده إلى قوة: النفط، المصارف، التحويلات، السفن، التأمين، الوسطاء، العملات، وشركات الواجهة.
«فالخنق هنا لا يعني منع إيران من الإنتاج؛ بل: منعها من تحويل ما تنتجه إلى قدرة على البقاء».
وهذا فارق جوهري.
يمكن للدولة أن تمتلك النفط، لكن النفط لا يصبح قوة إلا إذا نُقل.
ويمكن أن يُنقل، لكنه لا يصبح مالاً إلا إذا بيع.
ويمكن أن يباع، لكن المال لا يصبح قدرة إلا إذا أمكن تحويله واستخدامه وإعادته إلى الاقتصاد.
ولهذا لا تستهدف واشنطن المورد وحده؛ إنها تستهدف السلسلة التي تحول المورد إلى قوة سياسية وعسكرية واستراتيجية.
ومن هنا تصبح العقوبات الجديدة حرباً على اقتصاد الظل بقدر ما هي حرب على الاقتصاد الرسمي.
فالناقلة الخفية، وشركة الواجهة، ومكتب الصرافة، والتحويل الوسيط، والمحفظة الرقمية، والميناء البديل، لم تعد أدوات التفاف جانبية؛ أصبحت هي نفسها ميدان المعركة.
وهكذا تظهر المعادلة الأولى للتقرير:
«هرمز يعزل الحركة، العقوبات تعزل المال،
والعقوبات الثانوية تعزل الطرف الثالث».
لكن هرمز يحمل معنى يتجاوز الاقتصاد.
فحين يتحدث الرئيس ترامب عن المضيق بلغة توحي بأنه أصبح «منطقة أميركية»، لا ينبغي التعامل مع ذلك بوصفه إعلان سيادة قانونية أميركية على ممر دولي، بل بوصفه جزءاً من حرب نفسية هدفها صناعة أمر واقع عسكري جديد. ترامب كرر بالفعل طرح جعل المضيق «أرضاً» أميركية، في سياق حديثه عن السيطرة البحرية الأميركية عليه.
وهنا يصبح السؤال أثقل:
هل انتقلت الولايات المتحدة من حماية حرية الملاحة في هرمز إلى فرض حرية الملاحة بقوتها؟
الفارق بين الاثنين كبير.
حماية الملاحة تعني منع تعطيل الممر.
أما فرضها بالقوة فيعني محاولة انتزاع قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة استراتيجية أصلاً.
فإذا نجحت واشنطن في ذلك، تكون قد نقلت هرمز من ورقة ضغط إيرانية على العالم إلى ورقة ضغط أميركية على إيران.
وهنا تتكامل الحربان:
«في هرمز تحاول واشنطن انتزاع ورقة البحر من إيران، وفي الاقتصاد تحاول انتزاع العالم من حولها».
وهذه هي النقلة التي تعيد إلى الذاكرة مناخ الولاية الأولى لجورج بوش الابن.
بعد 11 سبتمبر طُرحت معادلة سياسية وأمنية حادة: من يقف معنا، ومن يقف مع خصمنا؟
اليوم يعيد ترامب وبيسنت إنتاج المنطق نفسه، لكن بأداة مختلفة:
إما أن تبقى داخل المنظومة المالية والتجارية التي تقودها الولايات المتحدة، أو تتحمل كلفة توفير شريان حياة لطهران.
وقد أعلن ترامب بالفعل أن الدول التي تقدم دعماً اقتصادياً لإيران ستواجه عواقب اقتصادية، فيما أكد بيسنت أن الحلفاء سيواجهون خياراً حاداً بشأن الانضمام إلى حملة العزل.
وبذلك لا تعاقب واشنطن إيران وحدها.
إنها تحاول معاقبة البيئة التي تسمح لإيران بالتنفس.
وهنا تظهر «خارطة الاختناق».
الإمارات كانت إحدى النوافذ التجارية والمالية الأهم لإيران، ولذلك فإن قرارها تعليق جميع المبادلات التجارية والمالية مع طهران إلى أجل غير مسمى لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي؛ بل إغلاقاً لأحد أهم المسارات التي استخدمها الاقتصاد الإيراني للوصول إلى الأسواق وإعادة التصدير.
عُمان تحمل وظيفة مختلفة. فهي ليست مجرد منفذ اقتصادي، بل مساحة وساطة تقليدية. ولذلك سيكون الاختبار في قدرتها على المحافظة على القناة السياسية من دون أن تتحول تلك القناة إلى ثغرة مالية تخفف أثر العزل.
العراق أكثر حساسية.
فهو لا يقع خارج الجغرافيا الإيرانية بل داخل تشابكها الاقتصادي والطاقوي والحدودي. ولذلك فإن أي دولار، أو مصرف، أو شركة نقل، أو تجارة حدودية يمكن أن تتحول من نشاط اقتصادي عادي إلى موضع تدقيق عندما تصبح الأولوية الأميركية منع أي شريان يخفف وطأة العزل.
وهنا يصبح العراق أمام سؤال سيادي:
كيف يحافظ على مصالحه الطبيعية مع جار كبير من دون أن يتحول اقتصاده إلى رئة مالية لنظام تحاول واشنطن خنقه؟
تركيا وباكستان تمثلان جغرافيا البر.
فكلما ضاقت المنافذ البحرية والمالية، ارتفعت قيمة الحدود والشاحنات والمقايضة وشبكات الصرافة.
وهنا تظهر قاعدة بسيطة:
كل منفذ تغلقه واشنطن يرفع القيمة الاستراتيجية للمنفذ الذي يليه.
أما أوروبا، فوظيفتها ليست فقط فرض العقوبات، بل منع ولادة بديل مالي غربي يسمح لطهران بإعادة الاتصال بالاقتصاد الدولي من باب آخر.
روسيا تستطيع أن تساعد إيران على الالتفاف.
لكن الصين تستطيع أن تقرر ما إذا كان العزل كاملاً أم ناقصاً.
وهنا تكمن المعضلة الأكبر.
فإذا أغلقت واشنطن الإمارات، وضغطت العراق وتركيا، وطاردت السفن وشركات الواجهة، لكنها أبقت لإيران سوقاً ضخمة تستطيع شراء نفطها وتسوية جزء من تجارتها، فإنها تكون قد حققت اختناقاً شديداً لا عزلاً كاملاً.
ولهذا فإن الصين ليست مجرد دولة أخرى في قائمة العقوبات.
إنها اختبار صلاحية العقوبات نفسها.
وقد قال بيسنت إن واشنطن ستجري نقاشاً خاصاً مع بكين بشأن الانضمام إلى الحملة، في مؤشر إلى إدراك الإدارة أن نجاح العزل لا يمكن قياسه من دون العامل الصيني.
ومن هنا تظهر المعادلة الثانية:
الإمارات تغلق نافذة،
العراق يمنع التسرب،
تركيا وباكستان تختبران البر،
أوروبا تمنع البديل،
روسيا تستطيع الالتفاف،
أما الصين فتختبر قدرة واشنطن على جعل العزل عالمياً.
ولهذا فإن «أكبر عزل تاريخي» لا يُقاس بعدد العقوبات.
ولا بعدد الدول التي تصدر بيانات تأييد.
بل بسؤال واحد:
كم منفذاً بقي لإيران تستطيع من خلاله تحويل تجارتها إلى مال، والمال إلى قدرة، والقدرة إلى بقاء؟
وفي الداخل الأميركي، تخوض إدارة ترامب معركة أخرى لا تقل أهمية.
فهي تحتاج إلى تقديم المواجهة باعتبارها «حرب ضرورة» مرتبطة بالأمن القومي، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، والتهديد الإيراني؛ بينما يبقى في الساحة الأميركية اتجاه سياسي معارض يخشى تحولها إلى «حرب اختيار» أخرى ذات نهاية مفتوحة.
وهنا تصبح الحرب الخارجية جزءاً من معركة الرواية الداخلية:
هل إيران أزمة يمكن احتواؤها؟
أم تهديد لا يمكن تركه من دون حسم؟
وعندما يستخدم وزير الخزانة لغة انهيار النظام، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية.
فثمة فارق بين الضغط لتغيير السلوك، والضغط الذي يجعل بقاء النظام نفسه جزءاً من المعادلة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن أعلنت خطة متكاملة لتغيير النظام أو رسمت «اليوم التالي» لإيران.
لكن شيئاً مهماً تغير:
الانهيار لم يعد مجرد احتمال يقرأه المحللون؛ أصبح نتيجة يتحدث عنها مسؤول أميركي كبير علناً.
وهنا ربما تكمن أخطر مفارقات «هندسة الاختناق».
فالولايات المتحدة تحاول استخدام القوة الاقتصادية كي تحقق ما تحتاج الحروب عادةً إلى القوة العسكرية لتحقيقه:
شل قدرة الخصم على الاستمرار.
لكن السلاح الاقتصادي يحمل مفارقته الخاصة.
كلما ازداد استخدام الدولار والنظام المالي كسلاح، ازداد أيضاً حافز الخصوم للبحث عن وسائل تقلل اعتمادهم عليهما.
ولذلك فإن نجاح الاستراتيجية يحمل داخل نجاحه مخاطرة بعيدة المدى.
فإذا استطاعت واشنطن إجبار العالم على المشاركة في عزل إيران، تكون قد قدمت أقوى برهان على استمرار مركزية قوتها المالية.
أما إذا دفع ذلك الصين وروسيا وغيرهما إلى تسريع بناء شبكات دفع وتجارة خارج المظلة الأميركية، فقد تتحول المعركة على إيران إلى فصل أكبر في معركة مستقبل النظام المالي العالمي نفسه.
وهكذا قد يكون «أكبر عزل تاريخي» أكبر من إيران.
إنه اختبار لقوة الدولة التي تُعزل، لكنه أيضاً اختبار لقوة الدولة التي تقوم بالعزل.
واختبار للطرف الثالث الذي يُطلب منه أن يختار.
وفي النهاية تصبح فلسفة التقرير كلها قابلة للاختصار في معادلة واحدة:
العزل لا ينجح عندما تعجز إيران عن البيع فقط؛
بل عندما يصبح شراء ما تبيعه، وتمويل ما تشتريه، ونقل ما تنتجه، ومساعدتها على الالتفاف… أكثر كلفة من الابتعاد عنها.
عند تلك اللحظة فقط يتحول الحصار إلى اختناق.
وعندها لا يعود السؤال:
هل إيران معزولة؟
بل:
هل تستطيع واشنطن أن تجعل العالم كله جزءاً من عملية عزلها؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر