الهجوم الأمريكي الاقتصادي ضد إيران، ومأزق الموقف العراقي! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :

مع بدء تنفيذ الهجوم الأمريكي الاقتصادي والمالي الكبير على إيران، يكون الموقف العراقي قد بلغ أعلى درجات الإحراج والقلق في علاقته مع الدولتين، وكأنه دخل لحظة مصيرية تدفعه إلى إنهاء ازدواجية الموقف، ودفع ضريبة عدم الحياد الذي نصّ عليه الدستور الدائم، في دولة تنوء أصلاً تحت ثقل خراب الحروب وأزماتها، وفساد سلطات الحكم فيها.
وفي هذا السياق، يأتي اجتماع محسن قمي، مبعوث المرشد الأعلى الإيراني، مع عدد من قادة الإطار التنسيقي، بحضور رئيس الوزراء، ووفد إيراني ذي توجه عقائدي ضم أعضاءً من مجلس تشخيص مصلحة النظام! ولم تُعلن تفاصيل الاجتماع، ولا طبيعة التوجيهات أو عمق التدابير التي تطلبها إيران من العراق خلال المواجهة مع الجانب الأمريكي اقتصاديا، خصوصاً أن العراق يقف عملياً في عين العاصفة.
العراق سيكون، على الأرجح، في مقدمة الدول التي ستطالبها الولايات المتحدة بتقليص أو قطع علاقاتها الاقتصادية والمالية مع إيران؛ فهو يمثل منفذاً اقتصادياً مهماً للاقتصاد الإيراني، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين خمسة عشر مليار دولار سنوياً، فضلاً عن نشاط المصارف الإيرانية في العراق، وشبكات التجارة والتحويلات المالية، ومسارات تهريب النفط الإيراني تحت تسميات وواجهات مختلفة، وغيرها من المصالح والموارد غير المنظورة.
وما حمله مبعوث المرشد يبدو أكثر أهمية من الرسالة السياسية التي جاء بها قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، قبل أسبوع، فالأخير يحمل بعداً عقائدياً وسياسياً أكثر تأثيراً، خصوصاً أن القوى التي حضرت الاجتماع ترتبط، بدرجات متفاوتة، بنظرية ولاية الفقيه وتأثيراتها السياسية، ناهيك عن ارتباطها الاستراتيجي بإيران ومواقفها تجاه دول الجوار.
إيران تحتفظ بنفوذ سياسي واسع في العراق، يضاف إليه نفوذ عسكري وأمني عبر فصائل مسلحة تمتلك حضوراً وقدرة على التأثير، ويمكن أن تصبح أكثر فعالية في ظروف المواجهة والأزمات. وهي، بذلك، قادرة على إرباك الوضع الداخلي العراقي، خصوصاً في ظل نظام محاصصة طائفية وعرقية أسهم في إنتاج بيئة سياسية هشة ومهيأة للصراع الداخلي.
إذن، يبدو العراق معلقاً بين طرفين؛ النفوذ الإيراني من جهة، والضغط الأمريكي من جهة أخرى، ولا يملك القرار العراقي، في ظل هذا التشابك السياسي والأمني، هامشاً واسعاً للخروج من حالة الاستلاب أو ممارسة سياسة مستقلة تماماً.
وفي المقابل، لا تقل قدرة الولايات المتحدة على التأثير في العراق خطورة، فهي تدرك هشاشة النظام السياسي والأمني والوضع الاقتصادي الداخلي، وتدرك كذلك أن الدولار المتأتي من صادرات النفط، عبر النظام المالي الدولي، يمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد العراقي. لذلك فإن فرض عقوبات واسعة على العراق، أو تقييد صادراته النفطية أو وصول عائداتها إلى النظام المالي الدولي، سيكون ضربة قاسية لا يحتملها الاقتصاد العراقي طويلاً، ولا يستطيع المجتمع العراقي تحمّل نتائجها.
هنا تتجسد حقيقة المأزق العراقي، مرحلة لا تقبل سياسة التوازنات التقليدية، أو محاولة إمساك العصا من الوسط، كافية لحماية مصالح العراق، إنها حرب تجاوزت الطوق العسكري، وانتقلت إلى أدوات الحصار والضغط الاقتصادي والمالي، وصولاً إلى ما يمكن وصفه بـ”الهجوم الاقتصادي الشامل”.
مأزق شديد التعقيد، لا يكشف عن خيارات كثيرة أمام النظام العراقي، فأي اختيار سيكون مكلفاً، وأي انحياز سيضع العراق أمام استحقاقات سياسية واقتصادية وأمنية ثقيلة، فالعراق ليس مجرد دولة مجاورة لإيران، ولا مجرد حليف للولايات المتحدة، إنه ساحة تتقاطع فيها المصالح والنفوذ والحسابات الاستراتيجية للطرفين.
والخطر الأكبر أن يتحول العراق من دولة تحاول حماية مصالحها وسط الصراع، إلى ساحة للصراع نفسه، وحينها لن يدفع ثمن المواجهة لا الإيرانيون ولا الأمريكيون، بل العراقيون أولاً وأخيراً .

اترك رد