منبر العراق الحر :
يقول الآباء إن الحياة الأسرية أصبحت أشبه بممارسة مستمرة لإدارة المعلومات، حيث تنهال عليهم رسائل البريد الإلكتروني، وتنبيهات التطبيقات، وتحديثات المدرسة، ومحادثات المجموعات، وإشعارات الأنشطة من كل حدب وصوب. وهنا، تزعم مجموعة متنامية من الشركات الناشئة أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في تنظيم هذه الفوضى.
برامج «إدارة شؤون العائلة»
أطلقت شركة «فامبوت» Fambot (البوت العائلي) برنامج «مدير الشؤون chief of staff» العامل بالذكاء الاصطناعي للعائلات. ويقول ديفيد رايش، مؤسس والرئيس التنفيذي للشركة: «أتلقى ما بين 20 و40 رسالة بريد إلكتروني يومياً تتعلق بشؤون الأطفال». ويضيف أن الآباء غارقون أيضاً في مجموعات المراسلة أثناء محاولتهم العمل وإدارة شؤون حياتهم اليومية.
ملخصات يومية موجهة للعائلة
تجمع «فامبوت»، التي سجلت في سجلاتها نحو 1000 عائلة قبل إطلاقها، المعلومات من البريد الإلكتروني، والتقويمات، و«واتساب»، وتطبيقات أخرى. وتُنشئ ملخصات يومية، وترسلها عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو التطبيق، وتضيف الأحداث إلى التقويمات عند الطلب، وتساعد الآباء على تتبع المهام أو تنسيق المسؤوليات.
المساعدة في التخطيط والتسوق
يُساعد التطبيق أيضاً في التخطيط، بدءاً من قوائم البقالة لإقامة الحفلات المنزلية، وصولاً إلى التحضير لزيارة مدن الملاهي. وبينما تُقدم أدوات الذكاء الاصطناعي العامة أفكاراً مُشابهة، فإن تطبيق «فامبوت» كما يقول رايش، ُصمم خصيصاً للخدمات اللوجستية العائلية، بما في ذلك تحليل النشرات المدرسية وملفات «بي دي إف» التي غالباً ما تكون فيها التواريخ المهمة أو مواعيد التسجيل مُخبأة. ويُضيف: «يُمثل هذا عبئاً كبيراً على كثير من الآباء»، مُشيراً إلى أن النشرة الطويلة قد لا تحتوي إلا على بعض المعلومات الأساسية، مثل يوم خروج مُبكر من المدرسة أو فرصة مُرافقة الطلاب في الرحلات المدرسية.
برامج لدعم العلائلات
وينضم برنامج «فامبوت» إلى الشركات الناشئة التي تُقدم برامج مُساعدة رقمية مُوجهة للعائلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وعلى الرغم من أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد روّج لتطبيق «تشات جي بي تي» بوصفه أداةً للآباء، فإن الشركات المُتخصصة تُؤكد أنها تُناسب احتياجات الآباء بشكل أفضل، بدءاً من تنظيم الوجبات وصولاً إلى العثور على المعلومات الأساسية في كم هائل من الرسائل.
تسهيل حياة الآباء والأمهات
وتقول شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في مساعدة الأسرة إن أدواتها قادرة على تخفيف التوتر، ومنع تفويت الرسائل، والمساعدة في إعادة توزيع مهام المنزل، التي غالباً ما تُحمّل الأمهات عبئاً غير متناسب من الأعمال الإدارية المتعلقة بتربية الأبناء.
تقول كريستي شانون، المؤسسة المشاركة والمديرة التسويقية لشركة «أولي» Ollie، واصفةً عبء تذكير أحد الوالدين بكل ما يحتاج إلى اهتمام: «لن أكون مضطرةً إلى البحث والتدقيق في كل هذه المعلومات». بينما تقول روزاريا دي دونا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة «فاميلي مايند» Familymind، إن تطبيقها ينقل المعرفة التي غالباً ما تكون مخزنة في تقويم أحد الوالدين أو بريده الإلكتروني أو ذاكرته إلى نظام الأسرة الأوسع؛ ما يجعل المهام والمسؤوليات أكثر وضوحاً.
ويعكس عرض فاميلي مايند وعداً أوسع من القطاع: جعل التنسيق المنزلي غير المرئي مرئياً ومشتركاً وأسهل في التنفيذ. وتضيف: «من المهم جداً أن يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على نقل المعرفة بسلاسة بين أفراد الأسرة».
الحفاظ على الخصوصية
ويؤكد مقدمو الخدمات على ضوابط الخصوصية، قائلين إن للعائلات الحق في اختيار البيانات التي يتم استيرادها والاحتفاظ بها. كما يؤكدون أن نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية لا تحتفظ ببيانات المستخدمين، وأن المعلومات لا تُشارك مع جهات خارجية دون إذن. وتقول شيلا ليريو مارسيلو، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «أوهاي» Ohai، إنه ينبغي على العائلات الموافقة على استخدام هذه التقنية والتحكم في الذكريات المخزنة، بما في ذلك تعديلها أو حذفها.
حذر الخبراء
ولا يزال الخبراء حذرين. يقول براندون ماكدانيال، الباحث العلمي المتخصص في دراسة العلاقات الأسرية، إن قلقه ينصبّ على تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على التواصل الإنساني، ومدى اعتماد العائلات على هذه الأداة في الإدراك والاختيار والاهتمام.
من جهتها، تقول ميليسا ميلكي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة تورنتو، إن الأبحاث تظهِر أن أفراد الأسرة قد يشعرون بالإهمال عندما يقضي الآخرون وقتاً طويلاً في استخدام الهواتف. وقد يؤدي نقل المحادثات المتعلقة بوجبات الطعام أو الترتيبات اللوجستية إلى تطبيقات وبرمجيات الدردشة الآلية (بوتات) إلى تفاقم هذه المشكلة.
وتشير ميلكي إلى أن الشركاء يشعرون بالتجاهل عندما لا يكونون هم محور الاهتمام، محذرةً من تزايد التغلغل التكنولوجي في التفاعلات التي كانت ستتم -لولا ذلك- وجهاً لوجه.
في المقابل، يرى مؤسسو الشركات الناشئة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المخصصة للأسرة يمكن أن تقلل من الوقت الذي يقضيه الآباء أمام الشاشات؛ وذلك عبر اختصار الساعات المخصصة لفرز الرسائل، والتخطيط، وتذكر التفاصيل؛ ما يتيح مساحة أكبر لقضاء وقت عائلي فعلي. وتقول مارسيلو: «أجد أن التوتر والقلق بشأن الترتيبات اللوجستية يؤثران أيضاً على طبيعة العلاقة بين الزوجين، بل ويمتد هذا التأثير ليشمل الأطفال أيضاً».
نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي
تعتمد هذه المنتجات على نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل المعلومات والرد على استفسارات الآباء، كما أنها توفر واجهات عملية تشمل قوائم المهام، والتذكيرات، والرسائل النصية، وتوصيات للتحضير للمناسبات، وخيارات مدمجة لطلب البقالة.
ويقول بيل لينون، الرئيس التنفيذي لشركة «أولي»، إن التخطيط للوجبات وحده يمكن أن يوفر على الأسر ساعة أو ساعتين أسبوعياً، ويخفف من عبء اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بتدبير وجبة العشاء.
وتقرّ ميلكي بأن معرفة من يتولى أي مهمة بوضوح قد يفيد الأسر، رغم أن التقويمات الورقية أو الرقمية يمكن أن تؤدي بعض هذه المهام أيضاً. لكنها تبدي قلقها من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الضغط على الآباء -ولا سيما الأمهات- لضمان سير الحياة الأسرية بسلاسة تامة، حتى في ظل ظروف طارئة مثل المرض أو نقص الموارد أو غيرها من المعوقات.
وتضيف أن هذا الضغط قد يولد شعوراً بالذنب والإحباط في ظل ثقافة غالباً ما تُحمّل الأمهات المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون الأسرة.
ونظراً لأن هذه الأدوات بدأت تظهر للتو بالتزامن مع الموجة الأخيرة لنماذج اللغة الكبيرة؛ فإن تأثيراتها طويلة المدى لا تزال غير واضحة. ويرى لينون أنها قد تصبح شائعة الاستخدام تماماً كالأجهزة المنزلية التي توفر الجهد، وإن كانت ليست كل أداة منزلية تفي بوعودها أو تحقق الفائدة المرجوة منها.
يقول لينون: «لدينا جميعاً غسالات أطباق في منازلنا نستخدمها بكثرة لسهولة تشغيلها. وأعتقد أن هذه التقنيات ستنتشر على نطاق واسع، وستصبح أداة لا غنى عنها للمجتمع».
* مجلة «فاست كومباني»
منبر العراق الحر منبر العراق الحر