منبر العراق الحر :
يرى العارفون أن “الحروف حجاب على النقطة، والأشكال حجاب على المعنى، والأكوان حجاب على المكوّن”.
رؤيا متعارفة في الصوفية
(( اعْتَقِدْ أنْ لَا حَرْفَ يَأْتِي مِنْ حَرْفٍ.
الحُرُوفُ أَغْصَانٌ،
كُلُّهَا تَتَرَاءَى فِي اسْتِقَامَةِ الألِفِ،
بِهِ تَدُلُّ عَلَى مَا فِي الشَّجَرَةِ
مِنْ ظِلٍّ.)) صلاح بو سريف في قصيدة ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ”
ـــ حين يرتدي الحرف ثوبه ويظهر بكامل معناه ملتصقا مع آخر ليصنع لنا الكلمة تدرك الروح القارئة انها تعيش بهجة فهما جديدا ـــ
الشعر وطن وقلب ولحظة غرام ومكانه الاجفان والورد وعند الصوفيين سيكون مكانه التكية ، ومادة الشعر التي مكوناتها الحروف والموهبة والاحساس .ويقلون في العريفات الموهبة بدون سماء فهي صنيعة الحجر . والحرف بالشعر لغته .
لا أدري لماذا أشعر أن الحرف عندما يولد بشكله الأول انما يريد أن يثبت وجودا خالدا له بين الذاكرة ومقدمة القلم الذي يدونه ، هكذا بدا تشكيل فنتازيا الحرف في مخيلتي حتى في قراءات دلالات ما كان الأنسان يرسمه على جدران الكهوف او ما ينحتهُ من تماثيل بدائية للآلهة او نساء يحملن على صدورهن نهود كبيرة.
فالحروف هي كائنات حية تتحرك بين عقولنا واصابعنا ، مثلما تتحرك الموجة على سطح النهر ، وهي تنطق بخيالات وأوهام وحقائق وقصائد ومعادلات .
أذن هو ( الحرف ) يمثل الرائية الكونية عبر الفعل ورد الفعل والتعبير عنها منذ الإيماءة والإشارة وانتهاء بالكتابة الحروفية التي ما زالت بالرغم من تطور وسائل الاتصال ( السوشيل ميديا ) والانترنيت ، لكنها لن تتمم رسالتها العولمية الجديدة دون الكيبورد وحروفه .
ومع الحرف الصوفي وخواطره المكتوبة بخط وبهجة وفؤاد شاعرنا صلاح بوسريف تشعر في رائعة ما يتملكه أزاء الحرف فهو عنده بناء لرؤى فلسفة وتعبير ومؤثر .ومتى قرأت قصيدته الموسومة ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ” حتى تشعر بسعة المعنى التي لاتضيق في العبارة كما اشر اليها النفري .فصلاح في هذا النص يوسع الرؤية الى جماليات متدفقة كمطر اللغة حين تدون اجمل تعابيرها من اجل شيء تحبه ويلهمها .لغة لتعبير الذات عن الذات يحدث فيها نفسه ويستطيب معها حسن البوح والتعامل بينهما وبين من تعشق الحديث اليه والدلالة في كشف تأثير الحرف الواصل كحبل من النور بينه وبين آخر المواددة والالهام والشفاعة .وكان التأثير معطرا بفصاحة القلب والعقل والوجدان . فلم تتمنع اللغة في سبك صور هذا التلاقي بين الحرف في لهفته ليكون عبارة بمعنى تصل عبر نص مثير عنوانه ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ”
فكانت اللغة المتجمعة في معناها من دلالات حروفها تمثل الوجود الحضاري والروحي ، ولولاها لتحولنا الى جراد يلتهم بعضنا بعضا ، لأن اللغة عندما تختفي يولد القحط ، وتجف العقول ونعود ادراجنا الى الحياة التي لم تكن مهجنة أنما حياة غاب وكهوف وسيوف حجرية ومصائد لدببة وخيول وارانب وثعالب.
رؤية بو سريف هنا في تعامله من الحرف بلاغة وحسا وتأثيرا هي رؤية تتعدى كل الاصطلاحات لترينا عالما من دهشة تعامل الانسان مع ما حوله ومن حوله وقد جعل الحرف لسانا وحجاب فنراه يسحب عاطفته الى لغة من ثراء الذات وهي تقريب في الاحساس غيب اللحظة المتمناة فيتخيلها عشقا وخطابا فلسفيا يحدثنا فيه عن مقدار المعرفة التي مع وهي ترتدي عباءة الاشراق الصوفي ، انها جريانا على المعاني كلها كمن يميل فيه التعفف بتلك الصورة الوجدانية والصوفية بما حدث مع الكاهن الرائي وتلميذه في واحد من قصائد طاغور التي تتحدث عن كاهن وتلميذه على حافة نهر وكان بيد الكاهن اسوارتين من الماس والذهب ،فجأة رمى واحدة في النهر فذهل التلميذ وتعجب وقال :النهر العميق يامعلمي فأين نجد الأسوارة . رمى الكاهن الاسوارة الثانية في النهر وقال : تجد الأولى حيث وقعت الأسوارة الثانية .
هذا درس الالهام في جعل الاثمان ازاء عفة الروح شيئا لاتفكر فيه مادية العقل . ولهذا يريد بوسريف ان يريحنا ذلك الاقتناء كجمالا وحروفا وليس كمصوغات ثمينة فالأنسان حين يصوغ جملة رائعة .حروف تضاء كخاتم من الذهب النقي ، وهكذا يرينا صلاح بوسريف بريق حرف العبارة ليس من اجل مديح أو تاجرة إنما هو حديث النفس في لحظة استشراق وانعتاق وذهاب نحو اجمل الافاق:
(( الحَرْفُ يَاااا خِلِّي لِسَانُكَ،
الْهَجْ بِحَرْفِكَ،
اكْتُبْهُ حَتَّى لَا يَضِيعَ فِي اللَّفْظِ أَثَرُ اللِّسَانِ.
دُرْ حَوْلَ نَفْسِكَ،
دَارِهَا لِتُطِيعَكَ،
ارْفَعْ عَنْهَا جِسْمَهَا وَ لَا تَكُنْ أَرْعَنَ فِي مَا جَازَ لَكَ مِنْ طَيْشٍ،
فالطَّيْشُ فِي عُرْفِ العَارِفِ غُصَّةٌ لَنْ تَبْرَحَ القَلْبَ،
مَا لَمْ يَفِضْ بِفُضُولِهِ.
أَتْمِمِ القَوْلَ بِأَنْ تُجْرِيَهُ عَلَى جَمِيعِ المَعَانِي.)) قصيدة ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ”
هذه الرؤى لا تتجمع في نافذة القلب فقط وتجعل من الحرف نافذة تطل منها على طرقات امنية الوصول الى مدن التبريزي وطاغور وابن العربي وجلال الدين الرومي والخيام وهي طرقات يسمع فيها صدى خطوات الشاعر وهو يصنع للحرف ملحمة للتعبير وابتهاج افكار ذاكرته وقلبه وكانه يستعيد مع هذا النص تراثه الكبير من دواووين الشعر وكتابات فكرية ونقدية وخواطر حياة بعضها مغسولا وبدمعه وبعضها باجمل الذكريات .ومتى اتعمق في حروف النص وازيل عنها حجاب التفسير والغاية استعيد خواطري القديمة مع الحرف واجعل ما كتبه صلاح بوسريف هنا هداية اي محفزا لوعي الذاكرة واهتماماتي اللغوية الاولى فالنص الجميل كالذي كتبه صلاح لايمتعنا بموسيقى شاعريته ليكون غذاء مؤقتا لسماعيات الروح بل هو من بعض ادوات التحفيز لاستعادة جماليات بعيدة تخص ذكرياتنا ومواهبنا ومنها ما أتحدث فيه عن هذه الرؤيا عن مدى تأثير شكل الحرف حين شاهدتهُ لأول مرة مرسوماً بلون الأحمر في كلمة ( دار ) عندما وزعَ علينا المعلم القراءة الخلدونية لأول مرة في الصف الأول الأبتدائي ، ومن لحظتها تشكل الهاجس الهندسي الغامض في مخيلتي عن تلك الانحاءات الحادة والمتجاورة بين بعضها لتكون شيئا نؤشر به لمسمى كي نعرفْ ماهيته وشكله ومكانه.
هذه الصور المختلفة للحروف في استقامتها واعوجاجها فتحت أمامي افاقا لتخيل الطاقة والفعل في تلك الخطوط وكأنها تفجر في اعماقي أشياء لا تحصى تبدأ من المعرفة وتنتهي بالأحساس اللذيذ لشيء ما أو الحزن أو الرغبة بالتعبير عن المكنون الذي يولد بغرابة في أحساس بدائية مثل الشعور بالحب والحنان والغضب وغيرها ، وكان الدافع بالتعبير عنها يكبر ويزداد حماسا كلما اكتشفنا أسرار تلك الحروف ودلالاتها.
وكذلك ذاته في وضوحه ومتاهته هو ما يفعله نص صلاح بوسيف في ذائقتي اليه قارئا ورائيا جماليا لمدارك النص ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ” وجغرافيته فأستعره بعطر حرفه وجمال التعبير عن سحر التعامل بين الشاعر وادواته وممكانته .انه يرينا هاجسا يسكنه ويشحذ فيه همة وحماس الرغبة لرؤية من يلهمه كل نصوص الكتاب وقد قلت سابقا هنا في هذا النص ان الشاعر جعل الحرف جسر ضوء ومعبرا واضحا وعميقا عن رغباته الروحية والانسانية والابداعية ايضا .واشعره مثلي في رؤاه الحرفية وقد حاكها ضمن عباءة اللغة عندما اراه ” بوسريف ” متطابقا مع كل الذي صورته في جمالية ومؤثر الحرف من شقاء وذم وبهاء وشراسة وردود وتعاملات منذ اول الموهبة الى حين كبرت روح الحرف معنا كلما كبرت أجسادنا وتفتحت أذهاننا صوب أشياء لاتحصى في العالم الذي يفتح جهاته الجديدة صوبنا عام بعد عام مع تغير معرفيات النصوص وكتب القراءة التي كانت توزع علينا كل عام دراسي جديد عندما دخلت اليها معارف وقصص ومقالات وقصائد وتجارب لفلاسفة وكتاب ، استطاعوا بالحروف فقط وصياغة معناها الى فلسفات ومعارف وكتب أن يؤسسوا لهم مجدا تفتخر فيه البشرية وبلدانهم الى اليوم . وأبتداءً من الخامس الابتدائي عرفنا الجاحظ وسقراط والخوارزمي وابن الهيثم والرازي . وحين دخلت الفيزياء والكيمياء اوالاحياء الى حياتنا بعد الثاني المتوسط عرفنا نيوتن وباسكال وغاليليو ومندل ودارون وغيرهم .
وفق تلك المسارات اشعر ان النص ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ” ولد ليعبر عن دواخله وشعرنا مع جماليات العبارة وبنية النص في سحر بلاغة القول والقصد والمرام اننا نستمع الى موسيقى في مساء ماطر ولا نقرا حروفا كالتي عبر عنها رسول حمزاتوف في كتابه ” داغستان بلدي ” بقوله : ليس هناك موسيقى اجمل من صوت المطر .فكان مذاق النص وحلاوته شيئا شعريا رائعا :
(( شَرَابُكَ لَمْ تَذُقْ بَعْدُ حَلَاوَتَهُ
أُوشِكُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ سَمَائِكَ.
رُؤْيَتِي اتَّسَعَتْ بِمَا ضَاقَ عَنْهُ الكَلَامُ،
العِبَاراتُ فِي لِسَانِي قَصُرَتْ،
قَصُرَ مَا كُنْتُ رَغِبْتُ فِي كَشْفِهِ مِنْ بَلَاءٍ.
البَلَاءُ
كَمَا خَبِرْتُهُ
تَوْقٌ.
أَتُوقُ إلَيْكَ،
فِي مَا أَنَا أَنْأَى بِكَ عَنِّي،
لِأَنْأَى عَنْكَ بِكَ.)) قصيدة ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ”
وأخيرا نص كهذا يطربك حتى في نهاياته وحزنه ومداد لحظته الغارقة في شعريتها وروحانيتها . لقد كتبه صلاح بو سريف ليكون شيئا من عاطفة ما يشعره اتجاه هذا العالم وفي البدء والمنتصف توسد على حرف وفي نهاية القصيدة موسيقى من تصوف هادئ كثير المناجاة والغنائيات القابعة في القدرية التي يخضع لها الشاعر مناه ورضاه حتى عندما لاتكون ضمن الحسابات والاماني .
احتمل ما احتمل وعاش معناة رغبة الوصول الى غاية في الحياة وامنيتها لكنه لم يفقد ايمانه بلحظة التعشق والوصول ونيل البركة حيث يريد الاقامة عنده لمعرفة رؤاه والتزود بفكره ودهشته ومناه .
هذا النص مؤثر ومتجانس وقارئ جيد للدلالات الحروفية وارهاصتها وتطويعها لفكرة الرغبة والهمة التي تلازم الشعراء عندما ينالون النوم تحت ظل شجرة الثمر الناضج . واقصد نضوج الثقافة والموهبة والنتاج .وربما صلاح بوسريف وصل الى هذا أو كاد أن يصل لهذا هو يكتب لنا نصا مثيرا بجمال العبارة وقدرتها في التعبير عن الشاعر وذاته ، عبارة لرؤيا الشيء عن الشيء نفسه ثم هذا شيء يزهر لنا على شكل قصيدة تقول لنا كل الذي تريد ان تقوله في مهمتها الروحية والإنسانية والمتحدية :
((
مِيثَاقِي انْفَرَطَ،
صِرْتُ لَا أُطِيقُ البَقَاءَ فِي نَفْسِ المَاءِ.
الوَاقِفُ لَنْ يَصِلَ،
وَ أَنَاااا احْتَمَلْتُ كُلَّ مَا فِي وَحْشَتِي مِنْ شَوْكٍ وَحَسَكٍ،
وَ رَأَيْتُ أنْ أَجْعَلَ مِنْ سَعَتِي ضَيْقاً،
أَقَمْتُ حَيْتُ تُقِيمُ،
وَنِمْتُ حَيْثُ نِمْتَ،
وَشَرِبْنُ مَا شَرِبْتَ،
وَ مَا قَاسَمْتُكَ صِفَاتِي.)) قصيدة ” حَرْفُكَ فِي لِسَانِكَ حِجَابٌ ”
لشبونه 25 اوغست 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر