منبر العراق الحر :
يحاول مقتدى الصدر، رئيس التيار الصدري الذي غيّر اسمه إلى «التيار الوطني الشيعي»، الفوز بالآخرة بعد خسارته للدنيا.
فمنذ أن أُقصي عن تشكيل الحكومة، بعد فوز قائمته في انتخابات عام 2022، وفشل «ثورته العاشورائية» عندما قام باقتحام البرلمان ثم تطويق مبنى مجلس القضاء الأعلى، وما أعقب ذلك من إعلانه ترك العمل السياسي، وتقديم قائمته استقالتها من البرلمان، ثم مقاطعته انتخابات عام 2025، حاول خلال الفترة الماضية استغلال أية فرصة للظهور الإعلامي والسياسي، عسى ولعل أن يتمكن من العودة إلى الساحة السياسية مجددًا.
وهو اليوم في حالة انتظار قصوى، لكنها حالة انتظار سلبية، بعكس إخوته في الإطار التنسيقي الذين يقودون السلطة الطائفية في العراق، وهم أيضًا في حالة انتظار، ولكن عبر مناورات سياسية لكسب الوقت. إنه انتظار لما ستؤول إليه الصراعات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما ستتمخض عنه من معادلات سياسية جديدة في المنطقة والعراق خصوصا.
ويبدو أن معيار «القدسية» الذي يتحدث عنه مقتدى الصدر هو المعيار نفسه الذي تستخدمه جماعات الإسلام السياسي، بشقَّيه الشيعي والسني. ففي تصريحه الأخير حول الحفاظ على «قدسية» مدينة النجف، التي نصّب نفسه سلطةً عليها ــ وسنأتي على ذلك ونسأل عن موقف مجلس القضاء الأعلى منه ــ حدد شروط لهذه القدسية: الرقابة الشديدة على المطاعم والمتاجر، وارتداء الحجاب من قبل العاملات، ومنع البضائع المحرمة. وبغير تنفيذ هذه الشروط، فإن له موقفًا منها.
ومعيار القدسية هنا هو عدم المساس بالصرح الاجتماعي للمنظومة السلطوية لرجال الدين، التي تستند إلى تطويق المرأة والتعامل معها على أنها أساس النجاسة، وأن انتهاك هذا التصور يمثل انتهاكًا للقدسية الزائفة التي يتحدث عنها الصدر. فهو يضع الرقابة الشديدة على المطاعم والمتاجر والبضائع المحرمة في المستوى نفسه مع ارتداء النساء العاملات الحجاب.
فالقدسية، وفق هذا المعيار، لا يراها الصدر ولا رفاقه في الإطار التنسيقي الذي يدير السلطة الطائفية في العراق في تجاوز خط الفقر البالغ 17%، حسب الأرقام الحكومية، ولا في ملايين العاطلين عن العمل الذين يتظاهرون مطالبين بفرص عمل تبقيهم على قيد الحياة، بينما يتعرضون الى الاعتقال والقمع الوحشي، ولا في الفساد المستشري، ولا في سحق الحريات السياسية واعتقال المعارضين السياسيين لهذا النظام تحت حجج سخيفة وواهية، ولا في تصريحات هادي العامري، زعيم منظمة بدر، وإعلانه مسؤوليته عن قتل 800 متظاهر وجرح أكثر من 20 ألف شخص في انتفاضة تشرين-اكتوبر 2019، ولا في انهيار الخدمات ونقصها.
إن الصدر يرى قدسية المدينة في حجاب العاملات. أي أن المعيار ليس الإنسان، وإنما حماية الطقوس الدينية وإدامتها، لأنها في الحقيقة تدر أموالًا ضخمة.
وبقصد أو من دونه، فإن تصريحات الصدر تذكّرنا بالسياسة التي انتهجها نظام صدام حسين في منتصف التسعينيات. فبعد أن دمّر العراق بحربين، وفٌرٍض على جماهيره حصارًا اقتصاديًا وحشيًا، راح يبني القصور والجوامع، وأعلن «الحملة الإيمانية» المقيتة لتسويق الدين والحجاب، وأطلق العنان للجماعات الوهابية، وأعاد العراق، على الصعيد الاجتماعي، إلى عصور الوسطى، ليكمل ما تدمر من بنيته الاقتصادية والعمرانية.
وكانت تلك السياسات محاولةً لاستبدال الأيديولوجيا الإسلامية بالأيديولوجيا القومية، بعد فشل الأخيرة في تحقيق الأحلام القومية. وهكذا، عندما يشتد الجوع والفقر والفاقة والعوز، يخرج لنا رجال الدين والسلطة ليتحدثوا عن قدسية المنطقة والدين والأماكن المقدسة، أما الإنسان فلا قدسية له، لطمس ماهية الصراع والظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وحرف الأنظار ونصال نضال الجماهر لانتزاع حقها في الحرية والمساواة وعالم افضل.
وفي قلب هذا الصراع يأتي حجاب النساء ليكمل منظومة «القدسية». أما كل ما يُرتكب من جرائم اجتماعية وسياسية واقتصادية بحق جماهير العراق، فلا معيار للقدسية بشأنه.
من طرف آخر، لا نعرف ما هي السلطة القانونية التي يمتلكها مقتدى الصدر حتى يهدد الجميع بأنه سيتخذ موقفًا إذا لم تُنفَّذ شروطه. فهل صدر يختلف عن أي شخص آخر، وكان يمكن أن يمرّ من دون مساءلة من مجلس القضاء الأعلى؟ أم أن رجال الدين والمرجعيات الدينية والسياسية هم فوق القانون، كما نراه اليوم في التعامل مع هادي العامري؟
كما أن الصدر لم يحدد لنا معيار «البضائع المحرمة» التي يريد منعها، ولا طبيعة الرقابة التي يريد فرضها على المحلات التجارية. لكن الصدر، الذي يرى بأم عينيه كيف تعيش جماهير العراق، ولم يحرّك ساكنًا تجاهها، لا يهمه في الحقيقة معيار القدسية، بقدر ما تهمه محاولة استعادة سلطته والظهور إعلاميًا وسياسيًا.
فأي مدينة لها حكومة محلية، وبغض النظر عن محتواها وهويتها، وهي الجهة التي تضع المعايير وتتخذ الإجراءات وتحاسب وفق القانون، وليس مقتدى الصدر أو غيره.
مرة أخرى نقول: إن الصدر يحاول كسب الآخرة، عسى ولعله يعوّض ما خسره في الدنيا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر