منبر العراق الحر :
عطب الضمير الوطني والأخلاقي لدى الطبقة السياسية أطلق الفساد المالي والتسابق نحو الفرهود على نحوٍ أكثر بشاعة من شهوة الطمع، وصار الفساد قاعدةً للسلوك الشامل والمسكوت عنه، بما يشبه التفويض «الشرعي»، خصوصاً بعد إصرار أحزاب الإسلام السياسي على التطبيع مع شروخه الأخلاقية، وافتضاض عذريته الاجتماعية، واعتباره امتيازاً لها، تحت عناوين ″استحقاق انتخابي″، أو تعويضاً عن مظلومية مؤجلة، أو ″جهادية″، أو مجهولية المالك، وغيرها من التخريجات التي تبيح إطلاق الفساد على عواهنه، الكامنة في خلفيات تاريخية كانت تنمّي مشاعر الانتقام من كل ما هو عراقي وشرعي، متعرية عن أي ضوابط إنسانية!
بيئات الفساد اصطحبت معها ظروفاً طارئة ومركبة تهدد الأجهزة الرقابية والقضائية، وتحول دون ممارسة دورها وسلطاتها، سواء بالابتزاز السياسي والإقالة، أم بالتهديد بالسلاح، كما ذهب عدد من القضاة الأحرار ضحيةً لذلك!
أخطر ما كنا ننبه إليه ونخشى حدوثه هو انتقال الفساد السياسي، بجوانبه المالية والأخلاقية، إلى المجتمع العراقي، وأن يصبح سلوكاً مقبولاً لدى الجميع، بعد شوط زمني طويل من رحلة الحروب والحصار والدكتاتورية والطائفية، دفعت إلى تهرّؤ العديد من القيم والمعاني التي كانت سائدة لدى العراقيين سابقاً. لكن الحثّ السياسي والانتخابي، وصعود الهامش والمنسي والغائب والملوّث نحو مركز السلطة، جعل كل شيء من أجل المال، وجعل غاية السلطة الثراء على حساب المال العام وقوت الشعب وحرمانه، بل الوصول به إلى درجة الفاقة والفقر وتقبّل اللامعقول!
لقد أضحت العلاقة بين السياسي والمواطن محكومة بالمال الانتخابي الذي يدفعه السياسي للمواطن لشراء صوته؛ علاقةً لا يجمعها الدستور والقانون والحقوق، بل الثمن الفوري الذي يقبضه المواطن، بعد أن كفر بالدستور والديمقراطية و″كلاوات″ رجال الدين وشيوخ العشائر!
كانت العوائل تذهب لتناول وجبة من ″الكباب″ بأرخص ثمن، ولم تسأل لماذا يُباع بهذا الزهد، كما لم تسأل عن سبب وهدف انتخابها للسيد، والحجي، والإرهابي، والشيخ المزيّف، والنصّاب، والمرأة السيئة؟
الجميع صار يبحث عن المال، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح البشر ولحوم البشر. وبعد أن استُبيحت جميع المحرّمات، لم يعد مهماً أن يأكل المواطنون من لحوم الحمير أم لحوم الخنازير، طالما أن الحرام تجاوز كل شيء، بوجود السياسي الخنزير! فالقصّاب الخنزير يريد أن يربح بالحرام والغش، كما الصيدلي الذي يبيع دواءً منتهي الصلاحية، أو الميليشيات التي تسلب أراضي الناس وبيوتهم والتصرّف بها!
الخوض في الحرام جذّاب، والكسب المالي الفاحش أكثر جذباً، ومع سقوط الأخلاق وعطب الضمير، فإن الجميع يتأثر بالسياسي الخنزير!
لكن مَن يستطيع اصطياد الخنزير السياسي، عندما يتوفر اللحم الرخيص و ″الكباب″ المجاني؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر