مازال لي بيت هناك……ماريا حنا

منبر العراق الحر :
قال لي
لماذا اغتربتِ
قلت
لأسباب وطنية
قال
كيف يعني
قلت
الوطن كان بحاجة
إلى أن أتركه قليلا
حتى يرتاح مني
أو ربما حتى أرتاح أنا من عجزي عن تغييره
قال
لا أقصد لماذا سافرتِ
قلت
لأنني كنت أبحث عن فرصة
قال
فرصة ماذا
قلت
فرصة أن أعيش
قال
وهل الحياة هنا مستحيلة
قلت
لا أبدا
كانت ممكنة جدا.
لكنها كانت تحتاج إلى راتب
والراتب يحتاج إلى وظيفة
والوظيفة تحتاج إلى واسطة
والواسطة تحتاج إلى شخص
والشخص يحتاج إلى أن يعرف شخصا
وأنا للأسف
كنت أعرف نفسي فقط
قال
طيب والآن
هل ارتحتِ في الغربة
قلت
طبعا
قال
أصبحتِ غنية
قلت
لا
قال
اشتريتِ بيتا
قلت
لا
قال
تزوجتِ
قلت
لا
قال
إذن كيف ارتحتِ
قلت
صرت أشتري الخبز
دون أن أحسب كم بقي من راتبي
سكت قليلا ثم قال
لكنك تشتاقين إلى الوطن
قلت
كل يوم
قال
إذن عودي
ابتسمت وقلت
هذه أسهل جملة
يقولها شخص لا يعرف
لماذا غادرت امرأة وطنها
قال
ماذا تقصدين
قلت
أقصد أنني حين كنت في الوطن
كنت أحلم بالغربة
والآن
وأنا في الغربة
أحلم بالوطن
قال
إذن أنت لا تعرفين
ماذا تريدين
قلت
بل أعرف تماما
أريد وطنا
لا يجعلني أختار
بين كرامتي ورغيفي
قال
الوطن ليس فندقا
قلت
وأنا لم أطلب منه
غرفة بخدمة خمس نجوم
كنت أريد فقط
غرفة لا تتساقط من سقفها أحلامي
كلما هطل المطر
قال
لكن الغربة أيضا ليست جنة
قلت
أعرف
الغربة هنا مؤدبة جدا
لا تصرخ في وجهي
ولا تطردني من بابها
فقط ترسل لي فاتورة آخر الشهر
وإذا تأخرت في دفعها
تذكرني بكل لطف
أنني غريبة
قال
وهل الناس طيبون هناك
قلت
بعضهم
قال
وهل تشعرين أنك بينهم
قلت
أشعر أنني بينهم جدا
لكنني لا أشعر
أنهم مني
قال
واللغة
قلت
تعلمتها
قال
والعادات
قلت
تعلمتها
قال
والبلد
قلت
تعلمت البلد
شارعا شارعا
قال
إذن ماذا بقي
قلت
أن أتعلم
كيف أنسى
أنني كنت في يوم من الأيام
أعرف كل شارع في مدينتي
دون أن أسأل خريطة
قال
وهل تنوين العودة
قلت
أكيد
قال
متى
قلت
عندما يصبح الرجوع
أقل تكلفة من البقاء
قال
ومتى يحدث ذلك
قلت
لا أعرف
قال
غريب
قلت
بالضبط
أنا غريبة
ضحك وقال
يبدو أنك تعودتِ على الغربة.
قلت
لا
أنا فقط تعلمت
كيف أبدو طبيعية
وأنا أفتقد كل شيء.
قال
وما أكثر شيء تفتقدينه
قلت
أشياء صغيرة جدا
صوت أمي
وهي تناديني من آخر البيت
طرقات جار
لا يحتاج إلى موعد.
فنجان قهوة مع صديقة
لا تنظر إلى الساعة.
شارعا كنت أمشي فيه
ولا أحتاج إلى خريطة
كي أعرف أين أنا.
ورائحة بيت
كنت أظنها عادية جدا
حتى أصبحت أغلى من كل ما حولي
قال
كل هذا موجود هنا أيضا.
قلت
لا.
الموجود هنا هو بديله
وهذه هي الغربة
أن تجدي نسخة من كل شيء
ولا تجدي الشيء نفسه.
ثم سألني
إذا عاد بك الزمن
هل ستغادرين مرة أخرى
فكرت طويلا.
ثم قلت
سأغادر..
لكنني هذه المرة
سآخذ معي شيئا
لم آخذه يومها
قال
ماذا
قلت
عنوان البيت الذي تركته
كي لا أقضي نصف عمري
أبحث عنه في الغربة
ثم سكت
لأنني كنت أعرف
أن بعض البيوت لا تضيع عناوينها
نحن الذين نضيع
حين نبتعد عنها طويلا.

اترك رد