منبر العراق الحر :
كثير من الناس تزخر في عقولهم وقلوبهم ذاكرة الأيام، ولكن قليل منهم مَن له القدرة على تحبيرها بصرير الأقلام، والجميع يلتقون في زخم المشاعر التي تتألق وتتحرَّق في بواطن كلِّ ذي خاطر، وتتشكَّلُ الكلماتُ نثراً أو شعراً في وصف لمحٍ لطيفٍ عابر، أما عن شكلِ التعبير فيختلف بحسب الطبع والديدن والفترة والطبيعة والثقافة والتكوين، وتأتلف عند بعضهم على قدر ما أوتوا من وسعٍ في الحفظ والتحميل والتخزين، ولا ريب فالخلق ليسوا سواءً في طبائعهم، وإنْ أبدعوا فهم مختلفون اختلاف مواهبهم وبدائعهم، فقد يُجيدُ أحدهم التذكُّر، وغيره يحسنُ التأثُّرَ، وهذا يبدعُ الوصفَ، وذاك يشكِّلُ النَّزفَ، وآخَرُ لا يخطئ بأوتارِ العواطفِ العزفَ.
بشرى عبد الأمير.. كاتبة يوحي اسمها الكريمُ بمعنيين يجتمعان في الجودة والحسن والإيحاء، أولهما: البُشْرى، فجلُّ خواطرها ترتسمُ بها أطيافُ البشارة فيما تصفه من الأحوال، وتشعرُ براحة النفس وسعة العقل لدى ما تختاره من الأوصاف والأشكال، تريدُ أن تحملَ إلى قارئها العربي أملاً يتألَّقُ على رغم ما مرَّ بالكاتبة نفسِها من مدلهمَّات الحياة وخطوبها، وثانيهما: الإمارة من كلمة الأمير، فدلالتها تعني التفرُّدَ في فنِّها، وتظهرُ ما تبديه أدباً من أزاهر غُصْنِها، كتبت وحبَّرت بحروف ناصعات ما رأته جديرا أن يذكرَ من سرديات ويوميات واقع حال صاحبة الكتاب، وصفا لأحوال النفس والواقع والأخلاق والآداب، وسردا لتفاصيل كانت أكثرَ تعلقا بالأزواج والأبناء والبنات والأصحاب.
ما خطَّته الأديبة العراقية المقيمة في لندن في كتابها المعنون: (من الجدير ذكره.. يوميات وسرديات من واقع الحال) الصادر عام 2026م عن دار لندن للطباعة والنشر في 318 صفحة، يندرجُ في فنِّ السَّرديات، وصاغت حكاياتها نثراً وليس شعراً، وهذا النوع من الكتابة يسهِّلُ على صاحب القلم الانسياب في القول دون كثير عناء، ويمضي بها الشعور منسربا مشتعلا غير متعارضٍ في خيالٍ متَّقدٍ وضَّاء، تتأتَّى لصاحبه الكلماتُ سهلة طيِّعة منسابة منقادة، لا عائق يعيق جريانها، ولا اضطراب ضعفٍ يهزُّ أفنانها، عادةً ما يتميَّزُ هذا الصنفُ من الكتابة بالانسيابية والوضوح، بيد أنها تتطلَّبُ تركيزا فائقا في الوصف، وإحاطة شاملة بالموضوع الذي تقومُ عليه دائرةُ البحث والتركيز والإحاطة، ليس كالشعر فن له قواعده التي لها بناؤها وموسيقاها وقافيها وبحورها، وكل ما تعلق به من النحو وعلوم اللغة، غير أنَّ فن الخاطرة يتلاقى مع الشعر في مراعاة قواعد النحو واللغة عموما.
لغةُ الكاتبة واضحة لا غموض فيها، ألفاظ تخدم الفكرة، وكلمات تناسبُ المعاني التي أرادها الموضوع، وأسلوب أدبي فيه بوح يوحي بفطرة وإلهام صاحبه، وخيالٍ مجنَّحٍ في كثير من الإيحاء وتتبع الصور، ورصد لأحوال النفس والواقع والحياة، لم تستعمل الكاتبة قاموسا لغويا غامِضًا، جاءت لغتها كصفحة الماء صافية لا كدر فيها، وسليمة في عباراتها وتراكيبها لا اعوجاج يعتريها، الأسلوبُ الجميلُ البديعُ ينسجه صاحبُ سليقة وفطرةٍ وطبيعة أدبية تختزن من الثقافة والفكر والتبصُّر والمعرفة، وتبدو من صورة النسج اللغوي قدرة الكاتبة وتجربتها مع الحرف والأدب.
(في البدء) تبدأ سرديات هذا السِّفر الذي رأت صاحبته جديرا بأن يذكر على الأشهاد، فاختارت له من حروفها بين سابحات جرد جياد، أول ما ابتدأ به الكتابُ صورة لما [فيها بيان حال الدنيا والنزعة النفسية وتقديرات الأيام وصروفها، فقد يبكي الإنسان في يوم عصي مرَّ به فيكتشفُ بعد انقضائه ودخوله في معترك آخر أنَّ ما مضى كان أفضلَ من واقعه الحالي] الكتاب، ص: ٧.
من الجميل أنَّ تكون الكاتبة من عشَّاق الشعر، والأجمل أن تبدأ صفحات حكايتها من هذه السَّرديات باسم جليل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو عميد البلاغة وأساسها في أدبنا العربي، وإنَّما أرادت أن تلمِّح إلى أنَّ كتابها هذا بدايته مسك فختامه لا محالة مسك، تقول: [لطالما شدَّني البيتان المنسوبان لأمير البيان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: (الخفيف):
عَجَبًا للزَّمانِ في حالَتيْهِ
وَبَلاءٌ ذَهبْتُ منهُ إليْهِ
رُبَّ يومٍ بَكيتُ منهُ فلمَّا
صِرْتُ في غَيْرهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ
يحسُّ القارئ من الوهلة الأولى بعبرات الكاتبة يتماوجن على صفحات الكتاب، حرفاً تلو حرف، وكلمة بعد كلمة، واسما يردف آخر، وجملة تتبع أخرى، حين استوفى الموضوع أجله، وحانت مناسبة وقته ورأت أن تكمله، نضجت الفكرة، وتحققت القدرة، واتضحت النظرة، وفسح القضاء لصدور الكلام، فما كان على الدمع إلا أن يحوِّل كلماته إلى شموع تضيء أسداف الظلام، وشرع اليراعُ يخط سردياته وخواطره ويوميَّاته ومشاهداته على ورق الأيَّام.
من أروع الصور وألطفها وأجملها أن تكون “حنين متى تعودين” أول خاطرة لحكاية تحمل الأمل، وتنشر الشعل، وتتأمَّلُ الحنين، بما يبعثُ في النفوس اليقين، فبداية الحكاية بحنين وليلى الصديقتين البريئتين يبعثُ رسالة من الكاتب إلى القارئ والعالم جميعا عنوانها: كل جميل من كل حكاية يبدأ بالبراءة والحنين إلى الماضي البديع، وكانت البصرة – مسقط رأس الكاتبة- أول مدينة شعَّت وهجا على جبين هذا الكتاب الأنيق.
يُعَدُّ الكتابُ موسوعة لغوية وجغرافية وأدبية وأخلاقية وتاريخية واجتماعية وتربوية، لم تُخفِ فيه الكاتبة رسالتها الإنسانية والإسلامية في تربية وإصلاح النفس والحياة والفرد والمجتمع والواقع والحياة والإنسان، في كلِّ خاطرة تخفي وراء ظلال دلالاتها روحا إصلاحية مؤمنة مثقفة، وتكشف ذاتا مفكرة مصلحة، تحاول من خلال هذا السفر الحكائي طرح الإشكالية والأسئلة حول مختلف المسائل والقضايا، وتقترح معها إجابات لعلَّها تكون الدواء والشفاء من كل داء، أو تتجلى يقينا بعد ظن، أو لطائف رجاء وأمن تُذهب كلَّ يأسٍ وخوف، تمضي السرديات في مسارها الشعوري الآخذ بالنفوس والألباب، بتلقائية لغوية وأدبية وشعورية لا فتور فيها ولا لغوب، ولغة تصوير تروي القلوب، تسري الخواطر واحدةً تلو أخرى إلى الخاطرة رقم: ٤٢ (مرثية جرح لن يندمل) أشبه بقصيدة نظمت بحبر المقل أحمر اللون، [بيني وبينك مسافة.. زمن تتربص به دوائر المخاطر، شقاء حالفَ أوراق عمرك البسيطة.. كيف لي أنْ أصفَ طوقَ الرِّقِّ الذي أحاطَ جيدك البلوري يا غالية! الوجع السافر في عينك الذي جعلك أسيرة من كانت القسوةُ طباعه…] خاطرة تبدو في ثوب قصيدة شعر ملتهبة المشاعر، ونسيج نثري متأجِّج الخواطر، كلمات وعبارات فيها عبرة معبرة، ومعاني بالغات بنغمة مؤثرة، وتكاد تكون هذه الخاطرة مربط الفرس وأمَّ الخواطر في هذا الكتاب، ثم تأتي الخاطرة والحكاية رقم: ٩٣ (عبرات ساجدة في محراب الحسين) من بين الوقفات الرثائية الشَّجيَّات يثرن في النفس حزنا بالغا، ويبقين أثرا لا يمحى من الكرب الممزوج بمحطة ومودة الإمام الحسين شهيد كربلاء عليه السلام، صور حزينات، ولغة مشاية مبكية، ووقفة دامعة خاشعة في محراب الشهادة والنور.
من انسياب اللغة والشعور وفسحة الخيال أظهرت الكاتبة قدرة أدبية وتجربة لا تختلف عن تجارب كاتبات عربيات أخريات في البلاد العربية والمهجر، كاتبة صاحبة قلم راقص على بحور المشاعر، وذات لغة مشرقةٍ مزهرةٍ مع كلِّ مبدإ ورسالةٍ وموقفٍ، والظاهر في هذا السِّفر من البدء نسبتِ الكاتبة بيتين لأمير البيان علي بن أبي طالب: (عجبا للزَّمان في حالتيهِ)… من الخفيف، صفحة: ٧، وفي صفحة: ٣٠٨ الخاطرة (الحكاية رقم: ١٠٠)، قول الكاتبة: [.. تاركا في أعماقنا بصمة زمن لا ينسى، مررنا به وكأنَّ لسانَ حالنا يردد مشهور الشاعر عبد الله بن المعتز العبَّاسي:
رُبَّ يومٍ بَكيتُ فيهِ فلمَّا
صِرْتُ في غيرِهِ بَكيتُ عليهِ
وضعت صاحبةُ السِّفر القارئَ في حيرة من أمره، وبقي السؤالُ عن البيتين لمن ينسبان؟ أإلى علي بن أبي طالب، أم إلى عبد الله بن المعتز العباسي؟
تبقى الحكاية من طرائف الأدب القديم والحديث، قد أظهرت الكاتبة براعة وإبداعا في التعامل مع اللغة تعبيراً وأسلوبا، ما يشعر الناقدَ المتمرِّسَ بحنكتها وإلهامها ورسوخ قدمها في الكتابة، حكاية تضع بشرى عبد الأمير على أرضٍ خصبة ولود بالتجارب والأفكار والأساليب والفنون الجمالية التي تهب النَّصَّ النثري نفسا إبداعيا، يرقى بصاحبه إلى معراج من الجمال يبدو فيه ملهما بديعا صافيا، ومثل هذه المؤلفات تخرج أعلاما عراقيين وعربا من عطش اغتراب مميت إلى رواء دفء محي للمواهب والعبقريات، وتضعهم وتضعهنَّ في مصافِّ الرواد والرائدات في عالم الإبداع الأدبي بما يبدعونه ويبدعن على رغم بعدهم وبعدهنَّ عن أوطانهم وأوطانهنَّ.
شاعر جزائري مقيم في لندن (أستاذ العَروض والبلاغة العربية- جامعة البليدة / سابقا)

الرأي الآخر للدراسات- لندن
منبر العراق الحر منبر العراق الحر