قصة قصيرة.. صفعة الحقيقة … الكاتب/اسعد عبدالله عبدعل

منبر العراق الحر :

كان الممر يؤدي إلى القاعة الأخيرة، لكن القوة التي تجره لم تكن الخطوات، بل صدى ثلاث سنواتٍ من الهدر.

كانت ثلاثة أعوام وهو يفرش لها خريطة المستقبَل بأحلامٍ معجونةٍ بالسهر والتعب، ثلاثة أعوامٍ كان اسمهما فيها يتردد في أروقة الكلية كمعادلةٍ ثابتة للوفاء. كان يظن أن الحب بنيانٌ يُشَيَّد بالحجارة الصماء، لا ينهدم أمام الريح، فإذا به هباءٌ تذروه كلمة واحدة.

اختفت “حنين” أسبوعاً كاملاً. أسبوعٌ واحد كان كافياً لتتبخر “حنين الطيبة”، تلك التي كانت تعاهده على خلود حبهما وتدّعي التفاني، لتعود حاملةً في بنصرها بريقاً بارداً: خاتم خطوبةٍ من ابن خالتها الميسور. لم تكن المسألة مجرد اختيار؛ كانت صفقة سريعة ذُبح فيها كل شرفٍ للعهد، ليتضح أن تلك السنون لم تكن سوى وسيلة للتسلية وشغل الوقت.

كان الهمس يتبعه كظلٍ ثقيل في طرقات الكلية. الضحكات الخافتة تجرح صمته. بعض الزملاء يتهامسون بكونه “ساذجاً” استُغفل بسهولة، وآخرون يرونه “ضعيف الشخصية” لم يستطع الصمود أمام خيار المال. كل كلمة كانت تنهزّ في صدره كغرس سكين، تتحول تدريجياً من حزنٍ مكسور إلى غضبٍ صلبٍ ومكتوم.

وفجأة، رآها.

كانت تقف في وسط الحوش، محاطةً بصديقاتها اللاتي يوزعن المديح على “قرارها الحكيم”. كانت تبدو مزهوة، تحرك يدها بحركاتٍ مقصودة ليلمع الذّهب تحت أشعة الشمس، وكأنها تلوّح بانتصارها على كل ما كان بينهما.

تقدم نحوها بخطواتٍ ثابتة، خالية من أي تردد. توقفت الأحاديث تدريجياً، وساد الصمت أرجاء المكان.

وقف أمامها مباشرة. تنفّس ببطء، ونظر في عينيها بثباتٍ أربك ابتسامتها. لم يكن في وجهه انكسار، بل صخرة غضبٍ استقرت بعد طول اهتزاز.

قال بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل ثقل المقت:

— “مهما قلتُ لكِ فإنه لن ينفع.. والعتاب معكِ ليس سوى مضيعةٍ للوقت. لكنني سأهديكِ شيئاً لن تنسينه أبداً، لتدركي حجم حقارتكِ.”

ارتفعت حاجباها بفضولٍ زائف، ورسمت على شفتيها نبرة تعالي وقالت:

— “وما هي هذه الهدية؟”

لم ينتظر ليكمل الحوار. ارتفعت يده في الهواء وهوت على وجهها بصفعةٍ مدوية، شقّت صمت الممر وأسقطتها أرضاً أمام الجميع. تناثرت حقيبتها، وغطت وجهها بذهولٍ واهتزاز، فيما استقر الخاتم الذهبي تحت الضوء كقطعة معدنٍ لا قيمة لها.

التفت دون أن ينظر إليها ثانية. سار في الممر بخطواتٍ ممتلئة بالرضا والسكينة، يترك خلفه الذهول، النظرات المستنكرة، وأخرى حملت في خفائها أعماقاً من الإعجاب والاستحقاق.

اترك رد