منبر العراق الحر :على حافةِ الذكرى نسكنُ نحن،
ويورقُ الحنينُ في الجهاتِ التي غادرناها.
تُقلّبُ الريحُ قلوبَنا
بقسوةٍ تشبهُ بعضَ الوجوه؛
وجوهًا نشتاقُها،
على ما تركتْ فينا.
ما أقسى البعيد،
وما أشقَّ العومَ
على أسنّةِ الجراح.
أُمازحُ بعينيَّ الأفقَ،
وأستدرجُه إلى سردٍ
من حروفٍ فقدتْ ألوانَها،
فأفشل.
قفْ أيها الرحيلُ إليه،
واسألْ خطاكَ قليلًا:
أما مرَّ بكَ صوتي؟
ما عاد يُقلقني شجنُ الربيع،
ولا صراخُ الريح
حين يخلعُ الخريفُ أوراقَه.
أنا أقحوانةٌ
نجتْ من زمنِ أمّنا حوّاء،
ووتدٌ ظلَّ مشدودًا
في سفينةِ نوح.
وفيَّ من أيوبَ
ما يكفي لأصادقَ الوجع،
وقلبي دفترٌ
مرَّت عليه يدُ الدنيا،
فلم تُبقِ صفحةً
على لونها الأول.
أرأيتَ كم أُجيدُ الصمود؟
ولستُ وحيدةً؛
قوافي العشّاق كلُّها
تتزاحمُ في حنجرتي،
ودواتي لي،
أسكبُ منها متى أشاء.
وإن صبغتُ وجهي
برمادِ البخور الأسمر،
سيظلُّ قلبي يفوحُ
كجوريّةٍ حمراء،
تنزفُ شوقًا
ولا تفقدُ عطرَها.
أمّا أفكاري،
فلغةٌ غريبةٌ عنكَ؛
ولو أمضيتَ العمرَ
تفكُّ رموزَها،
لبقيَ منها ما لا يُقرأ.
وعدتُ الأمسَ
أن أبدّلَ ثوانيه كلَّها،
وها أنا أمضي
في دربٍ لم أخترْه،
لكنّه اختارني.
وضاقتْ أضلعي
بما ائتمنتْها الحياةُ عليه،
ومع ذلك
لم يسقطْ منها قلبي.
هل أدركتَ الآن ما أعني؟
مسكينٌ أنتَ…
ثم مسكين.
حسبتَ الرحيلَ أكبرَ منّي،
ولم تعرفْ
أنني كلّما فقدتُ شيئًا،
اتّسعتُ.
أنا أكبرُ من رحيلك.
سوزان عون
منبر العراق الحر منبر العراق الحر