«أي سيادة نحتفل بها؟» …الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…مدخل إلى الهندسة المؤسساتية للدولة المزدوجة والسيادة والقرار في العراق وإيران….

المشروع الاستراتيجي رقم (1) : «من يملك السيادة؟» التقرير الاستراتيجي رقم (52) : «المدخل التأسيسي» 5 تشرين الأول / أكتوبر 2026

يمثل هذا التقرير المدخل التأسيسي لمشروع «من يملك السيادة؟»، وهو سلسلة استراتيجية موسعة تمتد لنحو 25–30 تقريرًا، تفكك مفهوم السيادة والدولة المزدوجة في العراق وإيران عبر ست طبقات رئيسية في كل دولة: الهندسة المؤسساتية، والسياسة الخارجية والأمن القومي، والاقتصاد، والمجتمع والهوية والشرعية، والقانون والقضاء والرقابة، ثم آليات الصمود والأزمات والانتقال. وتشكل هذه الطبقات الاثنتا عشرة القاعدة التحليلية للمشروع، قبل الانتقال إلى المقارنة بين النموذجين واختبار السؤال المركزي: من يملك السيادة داخل الدولة، وكيف تتوزع وظائفها السيادية؟

1. أي سيادة نحتفل بها؟

في 30 أيلول/سبتمبر 2026 اكتمل الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، منهياً أكثر من عقدين من الوجود العسكري المباشر، في لحظة حملت بالنسبة لكثير من العراقيين معنى سياديًا واضحًا. ولا خلاف على أن مغادرة القوات الأجنبية تمثل عنصرًا أساسيًا في اكتمال السيادة الوطنية؛ فوجود قوة عسكرية أجنبية على أرض دولة مستقلة يفرض بطبيعته قيودًا وأسئلة تتعلق بحرية القرار الوطني. لكن انتهاء هذا الوجود يفتح في اللحظة نفسها سؤالًا أعمق: هل خروج الجندي الأجنبي يعني تلقائيًا أن السيادة قد عادت كاملة إلى الدولة؟ (Reuter)

فالسيادة ليست مجرد رفع العلم فوق الحدود، ولا امتلاك سفارة وجواز سفر ومقعد في الأمم المتحدة، كما أنها لا تُختصر في غياب قاعدة عسكرية أجنبية. قد تكون الدولة مستقلة في القانون الدولي، ومع ذلك تبقى بعض وظائف سيادتها موزعة في الداخل بين مؤسسات وشبكات ومراكز قوة مختلفة.

ومن هنا يصبح السؤال بعد خروج القوات الأجنبية ليس فقط:

من خرج من العراق؟

بل أيضًا:

من بقي داخله قادرًا على اتخاذ قرار ملزم للدولة؟

ولذلك فإن السؤال الذي يفتتح هذه السلسلة ليس سؤالًا احتفاليًا ولا استفزازيًا، بل سؤال مؤسساتي:

أي سيادة نحتفل بها؟

2. السيادة أكبر من السلاح

يمكن للدولة أن تمتلك جيشًا وشرطة وأجهزة أمن، لكنها لا تكتمل سيادتها إذا استطاعت جهة أخرى أن تقرر متى يستخدم السلاح، وضد من، وتحت أي عنوان.

ويمكن أن تكون للدولة موازنة ووزارة مالية ومصرف مركزي، لكنها لا تكتمل سيادتها إذا استطاعت شبكات مستقلة أن تحول الموارد العامة إلى مصادر قوة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية خاصة.

ويمكن أن يكون لها دستور وقضاء، لكن سيادة القانون تبقى منقوصة إذا كان الحكم القضائي يصل إلى الضعيف، ولا يستطيع الوصول بالقوة نفسها إلى الأقوى.

ومن هنا فإن السيادة، في القراءة التي سيعتمدها هذا المشروع، لا تقاس بغياب الاحتلال وحده، وإنما بامتلاك الدولة الكلمة الأخيرة في مجموعة من الوظائف الكبرى: قرار القوة، والمال السيادي، والتعيين العام، وإنفاذ القانون، والعلاقة السيادية بالخارج.

وعليه يمكن صياغة تعريف أولي ستختبره هذه السلسلة:

السيادة هي قدرة المرجعية الدستورية للدولة على امتلاك الكلمة الأخيرة في وظائفها السيادية، داخل حدودها وخارجها.

3. الدولة الواحدة لا تعني بالضرورة سيادة واحدة

هنا تدخل فكرة الدولة المزدوجة.

وليس المقصود بها بالضرورة وجود حكومتين، أو جيشين، أو دستورين، وإنما إمكانية أن تعمل داخل الجغرافيا السياسية نفسها مستويات مختلفة من السلطة: مؤسسات رسمية دستورية من جهة، ومؤسسات أو شبكات تمتلك قدرة واقعية على إنتاج القرار أو تعطيله أو إعادة توجيهه من جهة أخرى.

وتكشف الدراسات المتخصصة في الحالة العراقية أن تقسيم الواقع ببساطة إلى «دولة» و«لادولة» لا يفسر ما جرى بعد 2003؛ فشبكات القوة، وخصوصًا بعض الشبكات المرتبطة بالحشد الشعبي، أصبحت متداخلة مع مؤسسات الدولة وأدوارها الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولا يمكن فهمها بوصفها كتلة مستقلة تمامًا تقف خارج أسوار الدولة. (Chatham House)

ولهذا يصبح معيار القياس الحقيقي ليس:

هل الفاعل داخل الدولة أم خارجها؟

بل:

هل توجد جهة قادرة على ممارسة وظيفة سيادية من دون أن تكون المرجعية الدستورية للدولة هي صاحبة الكلمة الأخيرة عليها؟

4. المفارقة الإيرانية

تبدو إيران، للوهلة الأولى، المثال الأوضح على الدولة المزدوجة.

فإلى جانب الرئيس والحكومة والبرلمان، توجد منظومة المرشد ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري ومؤسسات أخرى نشأت من البنية العقائدية والثورية للجمهورية الإسلامية.

لكن هذه الازدواجية تختلف جذريًا عن مجرد وجود دولتين داخل دولة.

فالنظام الإيراني أقام منذ 1979 بنية جمهورية منتخبة تضم الرئاسة والبرلمان والحكومة، وأحاطها في الوقت نفسه بمؤسسات دينية وثورية ذات صلاحيات واسعة، بينما احتفظ منصب المرشد بصلاحيات عليا في رسم السياسات العامة وقيادة القوات المسلحة والتأثير في المؤسسات الأساسية للدولة. (Council on Foreign Relations)

ومن هنا تظهر إحدى الفرضيات الأساسية التي ستختبرها التقارير القادمة:

إيران وزعت المؤسسات، لكنها سعت إلى منع توزيع السيادة.

فالاختلاف بين الرئيس والمرشد، وبين الجيش والحرس، وبين البرلمان ومجلس الصيانة، لا يعني بالضرورة وجود مراكز سيادة نهائية مستقلة عن بعضها؛ إذ صُممت البنية بحيث تنتهي القضايا الاستراتيجية الكبرى إلى مرجعية عليا محددة.

ومن هنا سنسأل في التقارير اللاحقة: كيف يعمل هذا النموذج؟ كيف يمول نفسه؟ كيف ينتج الشرعية؟ وكيف يحسم الخلاف عندما تتعارض إرادة المؤسسة الجمهورية مع المؤسسة العقائدية؟

5. المفارقة العراقية

العراق يقدم صورة مختلفة.

فدستوره لا ينشئ مؤسسة عقائدية فوق الحكومة، ولا يمنح حزبًا أو تحالفًا سياسيًا سلطة دستورية أعلى من مؤسسات الدولة، ولا يقيم نظريًا مركزين رسميين للسيادة.

هناك، في النص، دولة واحدة.

لكن الواقع السياسي الذي تشكل بعد 2003 أنتج شبكات سياسية وأمنية واقتصادية تتداخل بدرجات مختلفة مع مؤسسات الدولة نفسها. بعضها يعمل داخل البرلمان، وبعضها داخل أجهزة ومؤسسات رسمية، وبعضها يمتلك امتدادات اقتصادية واجتماعية وعلاقات خارجية وقدرات تأثير تتجاوز موقعه الرسمي المباشر.

وقد وصفت دراسات متخصصة الحشد الشعبي نفسه بأنه ليس تنظيمًا واحدًا مندمجًا بالكامل، بل مجموعة شبكات مرنة ومتغيرة متصلة بمراكز القوة داخل الدولة العراقية، وتطورت بعد الحرب على داعش إلى قوى أمنية وسياسية واقتصادية مهمة. (Chatham House)

ومن هنا تظهر الفرضية العراقية المقابلة:

العراق وحّد الدولة في الدستور، لكنه لم يوحّد بعد جميع وظائف السيادة في الممارسة.

وهنا يصبح مفهوم الدولة المزدوجة أكثر تعقيدًا؛ لأننا لا نبحث عن «دولة ثانية» ذات عنوان واضح، وإنما عن وظائف سيادية قد تتوزع داخل شبكة الدولة نفسها.

6. ليس السؤال: من يحمل السلاح فقط؟

طوال سنوات، اختزل جانب كبير من النقاش العراقي في شعار:

«حصر السلاح بيد الدولة».

وهو شرط أساسي لا يمكن قيام سيادة كاملة من دونه.

لكن هل يكفي؟

لنفترض أن كل الأسلحة أصبحت غدًا مسجلة داخل مؤسسات رسمية، لكن بقيت شبكة سياسية تستطيع التحكم في تعيينات مؤسسة ما، وأخرى تؤثر في عقودها ومواردها، وثالثة تستطيع تعطيل قرار قضائي أو ممارسة علاقة خارجية مستقلة، أو أن يرتبط صاحب موقع رسمي بالجهة التي جاءت به أكثر من ارتباطه بسلسلة الدولة القانونية.

هل تكون الازدواجية قد انتهت؟

الفرضية التي سيختبرها هذا المشروع هي:

لا.

لأن حصر السلاح ليس سوى أحد أبعاد حصر السيادة.

والأوسع منه:

حصر قرار القوة.
حصر المال العام.
حصر التعيين الإداري.
حصر إنفاذ القانون.
وحصر الالتزام السيادي تجاه الخارج.

ومن هنا تنتقل السلسلة من سؤال السلاح إلى سؤالها المركزي:

من يملك السيادة؟

7. خمسة اختبارات للسيادة

لن نقيس السيادة في هذه السلسلة بالشعارات، وإنما بخمسة اختبارات عملية:

أولًا: من يملك قرار استخدام القوة؟
هل تستطيع جهة غير الحكومة أن تبدأ مواجهة تتحمل الدولة نتائجها؟

ثانيًا: من يملك المورد السيادي؟
هل المال العام تحت سيطرة المؤسسات وحدها، أم يمكن تحويله إلى قاعدة قوة مستقلة؟

ثالثًا: من يملك الجهاز الإداري؟
هل التعيين يتم لمصلحة الدولة ووفق قواعدها، أم لمصلحة الشبكات التي تتقاسم مواقعها؟

رابعًا: من يملك قوة القانون؟
هل تستطيع الدولة تنفيذ حكمها على الأقوى كما تنفذه على المواطن العادي؟

خامسًا: من يملك الالتزام تجاه الخارج؟
هل يستطيع فاعل داخلي أن يبني علاقة أمنية أو عسكرية أو سياسية تجعل الدولة تدفع كلفتها من دون أن تكون مؤسساتها الدستورية قد اتخذت القرار؟

هذه الاختبارات تنقلنا من:

شعار السيادة

إلى:

قياس السيادة.

8. ازدواج المؤسسات أم توزع السيادة؟

وهنا تظهر الفرضية النظرية الأهم في المشروع.

ربما لا تكون إيران والعراق مثالين للنمط نفسه من «الدولة المزدوجة».

فقد تكون إيران نموذجًا لـ:

ازدواج المؤسسات مع وحدة المرجعية السيادية.

بينما يمكن أن يمثل العراق نموذجًا لـ:

وحدة الدولة الدستورية مع توزع بعض وظائف السيادة.

وفي الحالة الإيرانية يصبح السؤال: ما الكلفة السياسية والمؤسساتية التي تنتج عن وجود مركز نهائي واضح للقرار فوق مؤسسات منتخبة ومتعددة؟

أما في العراق، فالسؤال معكوس تقريبًا: هل يؤدي تعدد مراكز القوة والتأثير إلى تآكل وحدة القرار، حتى مع بقاء الدستور والانتخابات والحكومة والقضاء؟

ومن هنا ربما لا تكون الثنائية الأدق:

دولة / لادولة

بل:

وحدة الدولة / توزع السيادة.

وهذه ليست نتيجة نهائية، بل فرضية ستتعرض للاختبار في التقارير القادمة.

9. السيادة ليست خروج الأميركي ولا بقاء الإيراني

لقد انتهى الوجود العسكري الأميركي المباشر في العراق، لكن ذلك لا يعني انتهاء كل أدوات النفوذ الأميركي. فالعلاقة ما زالت تشمل ملفات مالية واستخبارية وتدريبية، كما أن عوائد النفط العراقي وعلاقته بالنظام المالي والدولار ما تزال تمنح واشنطن أدوات تأثير مهمة في البيئة الاقتصادية العراقية. (Reuter)

وفي المقابل، تمتلك إيران شبكة مختلفة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية داخل العراق.

والخطأ المنهجي سيكون في قياس السيادة العراقية بسؤال واحد:

هل الأميركي موجود؟

أو بسؤال مقابل:

هل الإيراني موجود؟

لأن جوهر السيادة لا يتعلق بهوية الطرف المؤثر بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة على احتكار قرارها.

ولهذا يمكن اختصار المعيار في العبارة التالية:

السيادة ليست خروج الأميركي؛ والسيادة ليست مواجهة الإيراني؛ السيادة أن لا يمتلك أي طرف، أميركيًا كان أم إيرانيًا أم عراقيًا، طريقًا مستقلًا إلى القرار العراقي خارج المرجعية الدستورية للدولة.

10. لماذا مشروع «من يملك السيادة؟»

لأن السيادة أصبحت من أكثر الكلمات استخدامًا في الخطاب السياسي العراقي، وربما من أقلها تفكيكًا.

كل طرف يستطيع أن يرفع شعارها.

لكن الدراسة الاستراتيجية لا تكتفي بالشعار.

ولهذا سيذهب مشروع «من يملك السيادة؟» إلى ست طبقات في إيران، ثم إلى الطبقات الست نفسها في العراق:

الهندسة المؤسساتية: من يحكم وكيف تتوزع مراكز القرار؟

السياسة الخارجية والأمن القومي: من يقرر الحرب والسلام والعلاقة مع الخارج؟

الاقتصاد: من يملك موارد القوة وكيف تتحول الثروة إلى نفوذ؟

المجتمع والهوية والشرعية: من يمنح النظام حق الطاعة والاستمرار؟

القانون والقضاء والرقابة: من يفسر القانون ومن يستطيع فرضه؟

آليات الصمود والأزمات والانتقال: ماذا يحدث عندما تتعرض بنية الدولة نفسها للاختبار؟

وبذلك تشكل هذه الطبقات اثني عشر تقريرًا تأسيسيًا: ستة لإيران وستة للعراق.

ثم تنتقل السلسلة إلى المقارنة الكبرى، واختبار فرضيات السيادة الموزعة، وحصر السلاح، وعلاقة المال بالقرار، ومستقبل الدولة العراقية، وصولًا إلى سؤال النموذج الذي يمكن أن يجمع بين التعددية السياسية ووحدة السيادة.

وقد ينتهي البحث إلى مفهوم أوسع من «الدولة المزدوجة»:

الدولة ذات السيادة الموزعة.

لكنه سيبقى في هذه المرحلة فرضية قيد الاختبار، لا حكمًا مسبقًا.

الخاتمة

من خرج؟ أم من يقرر؟

إن الاحتفال بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي حق وطني مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية سؤال السيادة؛ بل ربما يكون اللحظة الأنسب لبدئه.

فالدولة لا تصبح كاملة السيادة لمجرد أن آخر جندي أجنبي غادر أرضها.

تكتمل السيادة عندما لا يستطيع أحد، في الداخل أو الخارج، أن يتجاوز المرجعية الدستورية للدولة في قرار الحرب، أو يتحكم بمالها العام، أو يعطل قانونها، أو يحتكر وظيفة من وظائفها السيادية.

ومن هنا يفتتح التقرير رقم (52) هذا المشروع بالسؤال:

«أي سيادة نحتفل بها؟»

لكن مشروع «من يملك السيادة؟» سيذهب أبعد من ذلك؛ لأنه لا يبحث فقط عمن غادر الدولة، بل عمن بقي قادرًا على اتخاذ القرار داخلها.

ولهذا فإن السؤال الذي سيرافق هذه السلسلة من تقريرها الأول إلى تقريرها الأخير هو:

من يملك السيادة؟

وفي نهايتها قد نكتشف أن أهم سؤال في مستقبل الدولة العراقية لم يكن:

من خرج؟

بل:

من بقي قادرًا على أن يقرر؟

اترك رد