Screenshot

مصيدة العقارب.. بين صناديق الاقتراع وبنك الأهداف… بقلم : د. حسام وليد البدري

منبر العراق الحر :

قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الحالي هو السؤال: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران بعد الانتخابات؟

السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تعرف طهران اليوم عن واشنطن في الرابع من نوفمبر؟
هنا تكمن قيمة التقويم الانتخابي عسكرياً.

حين يقول ترامب إن تصعيد القصف بعد انتخابات الثالث من نوفمبر “ممكن”، بالتزامن مع تحريك قوة بحرية أميركية ضخمة نحو المنطقة، فإنه لا يعلن موعد حرب بالضرورة، لكنه يفعل شيئاً استراتيجياً أكثر إثارة: يضع تاريخاً أمام إيران، ثم يترك عقارب الساعة تتحرك نحوه.
وهذا قد يجعل الانتخابات جزءاً من الردع نفسه.

فالتحشيد الأميركي لا يقول لطهران فقط: “نملك القدرة على ضربك”، بل قد يقول أيضاً: “الوقت المتاح أمامك ليس مفتوحاً”.
وهنا تبدأ المصيدة الأولى: مصيدة الوقت.

عادةً يُقال إن الانتخابات تقيد الرئيس الأميركي قبل الثالث من نوفمبر ثم تمنحه حرية أكبر بعدها. لكن بالنسبة إلى إيران، معرفة ذلك مسبقاً تعني أن عليها اتخاذ قراراتها قبل زوال هذا القيد.
وبذلك لا تبدأ “نافذة الخطر” بعد الانتخابات بالضرورة؛ قد تبدأ قبلها.

فإذا اعتقدت طهران أن الكلفة الانتخابية تمنح ترامب سبباً لتجنب حرب واسعة حتى الثالث من نوفمبر، فإن الأيام السابقة للانتخابات تتحول بالنسبة إليها إلى نافذة تفاوض مؤقتة بضمانة سياسية أميركية غير معلنة.
لكن لهذه الضمانة تاريخ انتهاء.

وهنا يصبح وجود حاملات الطائرات مهماً بطريقة مختلفة. فواشنطن لا تحتاج بعد الانتخابات إلى بناء القوة من الصفر؛ القوة ستكون موجودة أصلاً. أي أن عقارب ساعتين تتحرك بالتوازي: ساعة سياسية ينتهي فيها القيد الانتخابي، وساعة عسكرية تقترب فيها الجاهزية من ذروتها.
وحين تلتقي الساعتان، لا يعني ذلك أن الحرب ستبدأ، لكنه يعني أن أحد العوائق أمامها قد يكون قد اختفى.

أما إسرائيل، فتضيف عقرباً ثالثاً إلى الساعة.
انتخابات 27 أكتوبر تسبق الأميركية بأسبوع واحد فقط. وهذا يصنع فترة استثنائية بين 27 أكتوبر و3 نوفمبر: إسرائيل تكون قد خرجت من اختبارها الانتخابي، بينما واشنطن لا تزال داخله.
إنها سبعة أيام قد تصبح فيها حرية القرار الإسرائيلي أكبر من حرية القرار الأميركي.

وهذا أكثر أهمية من السؤال التقليدي عما إذا كان نتنياهو سيستخدم إيران انتخابياً. فالمشكلة الحقيقية تظهر إذا أصبحت تل أبيب مستعدة للتحرك بينما تظل واشنطن راغبة في الانتظار.
عندها لا يعود السؤال: هل تتفق أميركا وإسرائيل على ضرب إيران؟
بل: من يضبط ساعة الآخر؟ ومن يجرّ الآخر إلى توقيته؟

وفي طهران يوجد عقرب رابع: النفط.
إيران لا تحتاج إلى الانتصار على الأسطول الأميركي. يكفيها أن تجعل كلفة الحرب تصل إلى الناخب الأميركي عبر هرمز وأسعار الطاقة. وبذلك يصبح المضيق، عملياً، جزءاً من المعركة الانتخابية الأميركية من دون أن يصوت فيه أحد.

وهنا يظهر المعنى الآخر لـ”العقارب”.
فهي ليست عقارب الساعة فقط، بل يمكن أن تصبح عقارب تلسع: هرمز، النفط، الصواريخ، القواعد الأميركية، وحلفاء واشنطن في المنطقة. كل واحدة منها قادرة، إذا تحركت، على نقل الأزمة من حسابات الوقت إلى حسابات الدم والكلفة.
ولهذا فإن الحشد العسكري والأسعار والانتخابات ليست ملفات منفصلة، بل تروس داخل ساعة استراتيجية واحدة.

لكن أين المصيدة؟
المصيدة قد تكون في أن واشنطن لا تحتاج أصلاً إلى أن تضرب كي تحقق جزءاً من هدف التحشيد.
إذا اقتنعت طهران بأن الساعة تعمل ضدها، فقد تبدأ هي بتغيير انتشار قواتها، وتحريك صواريخها، وتعزيز دفاعاتها، ورفع جاهزية شبكاتها ووكلائها استعداداً لضربة محتملة.
وعندها قد يحدث شيء أكثر أهمية من إطلاق النار:
قد تبدأ إيران، خوفاً من الحرب، بكشف الطريقة التي ستخوض بها الحرب.

وهنا تتحول مصيدة الوقت إلى مصيدة استخباراتية.
فالخصم الذي تعتقد أنه يستعد لضربك قد يكون مهتماً أيضاً بمراقبة ما ستفعله عندما تظن أن الضربة أصبحت قريبة: أين تحرك صواريخك؟ ماذا تحمي أولاً؟ أي الوحدات تستنفر؟ وأي الجبهات تهيئ للرد؟
عندها يصبح التحشيد العسكري أداة لاختبار الجهاز العصبي للخصم قبل اختبار دفاعاته بالنار.

لكن المصيدة ليست أميركية بالضرورة.
فإذا ردت إيران برفع كلفة النفط أو تهديد هرمز أو توسيع جغرافيا الرد، فقد تنقلب الساعة على من ضبطها، وتجد واشنطن نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف: التراجع بعد حشد ضخم يضر بالردع، أو تنفيذ تهديد قد يفتح حرباً لا تستطيع التحكم بنهايتها.

وهنا يصبح واضع المصيدة مهدداً بالسقوط فيها.
والنتيجة الأهم، إذاً، ليست أن الحرب ستبدأ بعد الثالث من نوفمبر.
بل أن الجميع بات يتصرف وفق ما يعتقد أنه سيحدث بعده.
فكلما ترسخ الاعتقاد بأن واشنطن ستكون أكثر حرية في استخدام القوة بعد الانتخابات، ازدادت قيمة الأيام السابقة لها بالنسبة إلى إيران: للتفاوض، أو التنازل، أو تعزيز الردع، أو حتى التحرك الاستباقي.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر.
قد يكون الهدف الأميركي من صناعة أفق زمني ضمني هو دفع إيران إلى التسوية قبل انتهاء المهلة. لكن إذا اقتنعت طهران بأن ما ينتظرها بعد المهلة ليس اتفاقاً أسوأ بل حرباً، فقد يدفعها العد التنازلي إلى الاتجاه المعاكس تماماً.
وهكذا يصبح نوفمبر خطراً ليس لأنه يحمل موعد الضربة، وإنما لأنه يصنع شيئاً أخطر:

موعداً نهائياً في عقل الخصم.
وهنا يكتمل معنى “مصيدة العقارب”: ساعات أميركية وإسرائيلية وإيرانية تتحرك بسرعات مختلفة، وكل طرف يحاول استخدام الوقت لإجبار الآخر على الحركة أولاً؛ فيما تحمل بعض تلك العقارب لسعةً عسكرية إذا أخطأ أحدهم في قراءة الساعة.

وفي الأزمات الكبرى، الحروب لا تبدأ دائماً عندما يقرر أحد الأطراف إطلاق النار.
أحياناً تبدأ عندما يقتنع طرف بأن الساعة تعمل ضده، وأن الانتظار أصبح أخطر من المبادرة.

ويبقى السؤال الذي تختبره الأيام المقبلة:
ماذا لو لم يكن الحشد الأميركي تمهيداً للضربة بقدر ما هو مصيدة تدفع طهران، تحت ضغط عقارب الساعة، إلى كشف انتشارها وبنك أهدافها وخطط ردّها؛ فتبدأ الحرب استخباراتياً قبل أن تبدأ عسكرياً، ويصبح أول انتصار فيها لمن أجبر خصمه على كشف أوراقه قبل إطلاق الصاروخ الأول؟

اترك رد