حين يصبح ما أنقذنا سجنًا ….بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ربما لا تكمن أصعب آثار الألم فيما يفعله بنا حين يحدث، بل فيما يواصل فعله بنا بعد أن ينتهي.

هناك أشياء تنقذنا في لحظة، ثم تتحول، من دون أن نشعر، إلى الطريقة التي نعيش بها بقية حياتنا.

الحذر الذي أنقذنا من الخذلان يصبح عجزًا عن الثقة.
والاستقلال الذي أنقذنا من التعلق يتحول إلى رفض للحاجة.
والصمت الذي حمانا من المواجهة يصبح لغة كاملة لا نعرف كيف نخرج منها.
والقسوة التي ارتديناها كي لا ننكسر، قد تصبح مع الوقت الشيء نفسه الذي يمنع عنا الحب.

المشكلة أن وسائل النجاة لا تحمل تاريخ انتهاء.

نحتفظ بها طويلًا بعد أن ينتهي الخطر، ثم ننسى لماذا ارتديناها أصلًا.

ربما لهذا لا تكفي عبارة: «لقد تجاوزنا الأمر».

فالتجاوز ليس أن نتوقف عن التفكير فيما حدث، بل أن نتوقف عن بناء شخصياتنا حوله.

أن نعرف أننا خُذلنا، دون أن نصبح أشخاصًا لا يثقون.

أن نعرف أننا فقدنا، دون أن نقضي أعمارنا في انتظار الفقد التالي.

أن نعرف أننا أحببنا الشخص الخطأ، دون أن نستنتج أن الحب نفسه خطأ.

أن نتذكر الخوف، دون أن نسمح له بأن يتخذ قراراتنا نيابة عنا.

فالجرح لا يصبح شفاءً لمجرد أن الدم توقف.

أحيانًا يتوقف الجرح عن النزف، لكنه يبدأ في كتابة شخصياتنا.

نحن بارعون في إعادة تسمية مخاوفنا.

نسمي الانسحاب نضجًا، والبرود كرامة، وعدم الثقة خبرة، وعدم الاحتياج قوة.

وأحيانًا تكون هذه الأسماء صحيحة.

لكن في أحيان أخرى، يكون الخوف قد تعلم لغة أكثر أناقة.

وهنا تبدأ واحدة من أصعب معاركنا مع أنفسنا:

أن نعرف الفرق بين الحد الذي يحمينا، والجدار الذي يعزلنا.

بين الكرامة التي تمنعنا من قبول الإهانة، والكبرياء الذي يمنعنا من الاعتذار.

بين الاستقلال الذي يمنحنا حرية الاختيار، والعزلة التي لا تسمح لأحد بالاقتراب.

وبين أن نقول: «نحن نستطيع وحدنا»، وأن يكون ما نقوله في أعماقنا: «نحن لا نريد أن نحتاج أحدًا، لأن الحاجة أخافتنا مرة».

ليست كل قوة قوة.

بعض القوة خوفٌ تعلّم الوقوف باستقامة.

ولعل أكثر الأسئلة إزعاجًا ليس: من آذانا؟

بل:

ماذا فعلنا نحن بما فعله الآخرون بنا؟

ليس المقصود أن نحمل أنفسنا ذنب ما تعرضنا له.

لسنا مسؤولين عن الجرح الذي سببه الآخر.

لكننا نصبح مسؤولين، في مرحلة ما، عن الطريقة التي سنعيش بها بعده.

هل سنورث ألمنا لمن لم يتسبب فيه؟

هل سنعاقب حبًا جديدًا على خطايا حب قديم؟

هل سنجعل شخصًا لم يخنّا يدفع ثمن خيانة شخص آخر؟

هل سنرفض القرب لأن أحدًا أساء استخدامه ذات يوم؟

هنا يبدأ الجزء الأصعب من الشفاء.

لأننا قد نقضي سنوات نظن أننا نعاقب الماضي، بينما نحن، في الحقيقة، نعاقب حاضرنا.

هناك نوع من الحداد لا نبكي فيه على شخص.

نبكي على أنفسنا حين كنا معه.

وهذا ربما هو الحنين الأكثر التباسًا.

نشتاق إلى أشخاص كناهم قبل أن نتعلم الحذر.

إلى قلوب لم تكن تعرف أن بعض الأبواب لا ينبغي أن تُفتح للجميع.

وحين نقول إننا نشتاق إلى أحد، قد يكون ما نشتاق إليه، في الحقيقة، هو ذلك الجزء من أنفسنا الذي كان لا يزال قادرًا على الشعور بتلك الطريقة.

لهذا لا تكون العودة دائمًا هي الحل.

أحيانًا لا نريد الشخص.

نريد الزمن الذي كنا نعيش فيه قبل أن نعرف ما عرفناه.

لكن الزمن لا يعود.

والنضج، في أحد معانيه الخفية، هو أن نتوقف عن طلب المستحيل من الماضي.

ثمة وهم آخر يرافقنا طويلًا:

أننا سنشفى حين يفهمنا من آذانا.

نريد اعتذارًا.

وتفسيرًا.

وندمًا.

واعترافًا بأننا لم نكن نستحق ما حدث.

نريد من الشخص الذي كسر شيئًا فينا أن يأتي يومًا ويقول لنا إنه كان مخطئًا.

لكن ماذا لو لم يأتِ ذلك اليوم؟

ماذا لو لم يفهم؟

ماذا لو روى القصة بطريقة مختلفة تمامًا؟

ماذا لو عاش حياته دون أن يدرك حجم الأثر الذي تركه؟

هل نبقى أسرى لذلك الاعتراف؟

ربما تبدأ الحرية حين ندرك أن صحة تجربتنا لا تحتاج إلى تصديق الشخص الذي تسبب فيها.

لسنا بحاجة إلى محكمة كي نعرف أننا تألمنا، ولا إلى اعتذار كي يصبح ما حدث حقيقيًا.

وأحيانًا يكون أكثر أشكال التحرر هدوءًا أن نتوقف عن تقديم الأدلة على جرحنا.

لكن ثمة شيء أكثر قسوة من كل ذلك:

أن نكتشف أن بعض ما نظنه «طبعًا» فينا ليس إلا تاريخًا قديمًا متنكرًا في هيئة شخصية.

نقول: «نحن لا نثق بأحد».

لكن من قال إن هذا نحن؟

نقول: «نحن لا نتعلق».

أم أننا نخشى أن نتعلق؟

نقول: «نحن لا نحتاج أحدًا».

أم أننا تعلمنا أن الحاجة قد تكون خطرة؟

نقول: «نحن نحب وحدتنا».

وربما نكون صادقين.

وربما نكون قد نسينا فقط كيف نفتح الباب.

لا يعني ذلك أن كل استقلال خوف، ولا أن كل حذر جرح.

لكن معرفة الفرق تحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة الحب نفسه.

لأننا قد نكتشف، ونحن نظن أننا نحمي أنفسنا، أننا نحرمها أيضًا.

الشفاء الحقيقي ليس أن نعود كما كنا.

ولماذا نريد دائمًا العودة؟

الشخص الذي كنا عليه قبل الألم لم يكن بالضرورة أكثر أصالة.

كان فقط أقل معرفة.

نحن لا نحتاج إلى استعادة البراءة القديمة، بل إلى بناء وعي جديد لا يقتل قدرتنا على الدهشة.

نحتفظ بالحكمة دون أن نحتفظ بالخوف.

نضع حدودًا دون أن نبني حصونًا.

نعرف أن الناس يمكن أن يؤذونا، دون أن نستنتج أن الجميع سيفعل.

نسمح للحب بالدخول، مع معرفتنا بأن الرحيل ممكن.

وهذه ليست سذاجة.

هذه شجاعة أكثر تعقيدًا:

أن نعرف احتمال الخسارة، ومع ذلك لا نرفض احتمال الحياة.

ربما لا نحتاج إلى أن نصبح أشخاصًا لا ينكسرون.

فالشخص الذي لا ينكسر أبدًا قد يكون شخصًا لم يسمح لنفسه بأن يعيش بكاملها.

ما نحتاجه هو أن نعرف كيف نعود إلى أنفسنا بعد الانكسار.

أن يصبح الألم تجربة، لا هوية.

أن تصبح الذاكرة معلومة، لا سجنًا.

أن يكون الماضي فصلًا فينا، لا مؤلفًا لحياتنا.

وأن نستطيع، في يوم ما، أن ننظر إلى ما حدث دون أن نحتاج إلى تغييره كي نواصل السير.

ثم تأتي لحظة لا تشبه الانتصار.

لا موسيقى فيها.

لا اعتذار يصل.

لا شخص يعود.

لا عدالة درامية.

فقط هدوء.

نجلس مع أنفسنا، ونكتشف أننا لم نعد ننتظر شيئًا من الذين رحلوا.

لا تفسيرًا.

لا ندمًا.

لا اعترافًا.

حتى أننا لم نعد نريدهم أن يعودوا.

ليس لأننا لم نحبهم، بل لأننا لم نعد نحتاج إلى أن يعود الماضي كي نشعر أن حاضرنا صحيح.

وهنا نفهم شيئًا ربما تأخرنا في فهمه سنوات:

بعض الأبواب لا تُغلق كي يعود أصحابها.
تُغلق كي نتوقف نحن عن الوقوف أمامها.

ولا أظن أننا نصل يومًا إلى نسخة نهائية من أنفسنا.

ربما نظل، حتى آخر العمر، مجموعة نسخ تتعاقب داخل الجسد نفسه.

طفل قديم.

وشخص خائف.

وعاشق.

وخذلان.

وحكمة.

وحنين.

وشخص جديد لا نعرفه بعد.

كل واحد منهم يترك شيئًا، ثم يتراجع خطوة، ليمنح الحياة مساحة لتكتب ما بعده.

لذلك لم يعد السؤال الذي يعنينا:

«من نحن؟»

بل السؤال الذي يخيفنا أكثر، ويغرينا أكثر:

«من سنصبح إذا توقفنا عن حماية أنفسنا من كل ما يمكن أن يؤلمنا؟»

ربما تبدأ حياة كاملة عند هذا السؤال.

حياة لا تعني أن نكون بلا خوف، بل ألا نمنح الخوف حق اختيارها.

في النهاية، لا أظن أن نجاتنا الحقيقية تكون حين لا يعود شيء قادرًا على كسرنا.

بل حين نعرف أن ما كسرنا مرة لن يملك مفاتيحنا إلى الأبد.

أن نخرج من التجربة ونحن أكثر وعيًا، لا أكثر قسوة.

أكثر عمقًا، لا أكثر خوفًا.

أكثر قدرة على الاختيار، لا أكثر مهارة في الهرب.

أن نعرف أن ما حدث لنا جزء من قصتنا، لكنه ليس تعريفنا.

ثم نمضي.

لا لأن الماضي أصبح جميلًا.

ولا لأن الجرح اختفى.

بل لأننا فهمنا أخيرًا الفرق بين أن نتذكر ما حدث…

وأن نعيش داخله.

وهناك، في تلك المسافة الصغيرة بين الذاكرة والحياة، تبدأ استعادة أنفسنا.

رانية مرجية

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد