منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي….
المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»
التقرير الاستراتيجي رقم (56) / 5:
«دولة تتكلم بصوت واحد رسميًا… لكن القوة لا تتحرك دائمًا بصوت واحد»
9 تشرين الأول / أكتوبر 2026
1. القاعدة الأولى: السياسة الخارجية والأمن القومي دستوريًا موحدان
ً
في البناء الرسمي للدولة العراقية لا توجد ازدواجية معلنة.
الحكومة الاتحادية هي التي تمثل العراق خارجيًا، ورئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة، ومجلس الوزراء يدير السياسة العامة للدولة ويتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات.
إذن، من زاوية القانون:
الدولة العراقية تملك مركزًا رسميًا واحدًا للسياسة الخارجية ومركز قيادة رسميًا واحدًا للقوة المسلحة.
ومن هنا يجب أن نبدأ.
لكن المشكلة ليست في النص.
المشكلة في مدى تطابق خريطة السلطة الفعلية مع الخريطة الدستورية.
2. وزارة الخارجية: الصوت الرسمي للعراق
وزارة الخارجية تمثل العراق أمام:
♦️ الدول.
♦️ الأمم المتحدة.
♦️ المنظمات الدولية.
♦️ السفارات.
♦️ المؤتمرات.
♦️ المفاوضات الدبلوماسية.
ومن حيث القانون الدولي لا يعترف العالم بـ«سياسة خارجية» لفصيل أو حزب عراقي.
العراق الرسمي يتحدث عبر:
الرئاسة والحكومة ووزارة الخارجية.
لكن هنا تظهر أولى مناطق الازدواج.
فالقوة السياسية أو المسلحة قد تحتفظ بعلاقات مباشرة مع:
◾️إيران،
◾️دول أخرى،
◾️أحزاب إقليمية،
◾️جماعات مسلحة عابرة للحدود،
من دون أن تكون وزارة الخارجية هي التي تدير تلك العلاقة.
ومن هنا يصبح لدينا:
سياسة خارجية رسمية
إلى جانب:
علاقات خارجية سياسية–أمنية غير حكومية أو شبه حكومية.
3. المشكلة ليست مجرد وجود علاقات حزبية بالخارج
كل حزب في العالم تقريبًا يمكن أن تكون لديه علاقات دولية.
لكن الفارق يبدأ عندما تكون لدى ذلك الحزب أو الفصيل:
قوة مسلحة.
هنا تتحول العلاقة الخارجية من:
اتصال سياسي
إلى إمكانية:
إنتاج أثر أمني وسيادي.
فإذا كان الفاعل يستطيع:
◾️إطلاق صاروخ،
◾️إرسال طائرة مسيرة،
◾️تحريك قوة مسلحة،
◾️أو تهديد دولة أخرى،
فهو لم يعد يمارس مجرد «علاقة حزبية».
بل أصبح قادرًا على ممارسة جزء من وظيفة السياسة الخارجية باستخدام القوة.
وهنا تبدأ الدولة المزدوجة فعليًا.
4. القائد العام: السلطة القانونية العليا
في النظرية الدستورية:
رئيس الوزراء / القائد العام
هو رأس السلسلة العسكرية.
وهذه قاعدة واضحة.
وتحتها يفترض أن تعمل:
♦️ وزارة الدفاع.
♦️ وزارة الداخلية.
♦️ جهاز مكافحة الإرهاب.
♦️ أجهزة الاستخبارات والأمن.
♦️ هيئة الحشد الشعبي.
♦️ بقية المؤسسات المسلحة الرسمية.
إذن لدينا هرَم قانوني.
لكن السؤال الذي يحدد وجود الازدواج ليس:
من هو القائد العام على الورق؟
بل:
هل كل قوة مسلحة تلتزم أمره عندما يتعارض الأمر مع إرادة قيادتها السياسية أو العقائدية الخاصة؟
هذه هي نقطة الاختبار الحقيقية.
5. الجيش العراقي: المؤسسة التقليدية للدولة
الجيش العراقي يقوم على الوظيفة التقليدية للدولة:
♦️ الدفاع عن الحدود.
♦️ حماية السيادة الإقليمية.
♦️ مواجهة التهديدات العسكرية.
♦️ العمل تحت قيادة الحكومة.
وهو، من حيث التنظيم، أكثر قربًا إلى مفهوم المؤسسة العسكرية الكلاسيكية.
لكن حتى الجيش العراقي لا يعمل داخل فراغ.
بعد 2003 دخلت فيه، وفي بقية القطاع الأمني، تأثيرات:
◾️سياسية،
◾️مكوناتية،
◾️حزبية،
◾️وأحيانًا إقليمية.
ومع ذلك يبقى الجيش أكثر المؤسسات وضوحًا من حيث:
سلسلة القيادة الرسمية.
6. جهاز مكافحة الإرهاب: نموذج مختلف
جهاز مكافحة الإرهاب بُني بدرجة أكبر على المهنية المركزية والارتباط المباشر بالقائد العام.
وهذا جعله نموذجًا أقرب إلى:
قوة دولة مركزية ذات سلسلة قيادة محددة.
ولهذا اكتسب في مراحل عديدة سمعة مؤسساتية مختلفة عن بعض التشكيلات الأخرى.
ومن هنا تظهر مفارقة مهمة:
العراق لا يمتلك قطاعًا أمنيًا واحدًا متجانسًا.
بل مؤسسات ذات درجات مختلفة من:
◾️المهنية،
◾️المركزية،
◾️والتسييس.
7. الحشد الشعبي: النقطة الأكثر تعقيدًا
قانونيًا، الحشد جزء من القوات المسلحة ويرتبط بالقائد العام.
لكن دراسات معمقة تصفه بأنه ليس تنظيمًا واحدًا متجانسًا، بل شبكات متعددة تختلف في القيادة والولاء والعلاقة بالدولة والعلاقة بإيران. Chatham House يصف الحشد باعتباره مجموعة شبكات مرنة ومتداخلة مع أجهزة الدولة والسياسة والاقتصاد، وليس جهازًا عسكريًا موحدًا بالكامل.
إذن لا يجوز أن نقول:
الحشد كله خارج الدولة.
ولا:
الحشد كله مطابق تمامًا لمنطق المؤسسة العسكرية التقليدية.
الأدق:
الحشد مؤسسة رسمية تحتوي مستويات متفاوتة من الانضباط المؤسسي والارتباط الشبكي.
8. الفصيل داخل الحشد ليس هو الحشد كله
وهذه نقطة يجب أن نحافظ عليها طوال البحث.
هناك فرق بين:
هيئة الحشد الشعبي بوصفها مؤسسة رسمية
وبين:
فصائل داخلها أو مرتبطة تاريخيًا بها تمتلك هويات سياسية أو عقائدية أو خارجية خاصة.
ولهذا فإن أي تحليل يقول:
«الحشد قرر»
قد يكون تبسيطًا.
السؤال يجب أن يكون:
أي فصيل؟ أي قيادة؟ وبأي صفة؟
فالمؤسسة القانونية شيء، والشبكة التنظيمية شيء آخر.
9. وهنا يظهر مفهوم «ازدواج سلسلة القيادة»
قد يكون المقاتل أو التشكيل:
من الناحية الرسمية تابعًا للقائد العام.
لكن:
من الناحية السياسية أو العقائدية يحتفظ بعلاقة بقيادة أخرى.
وهنا يكون الاختبار:
إذا تطابق الأمران، لا تظهر المشكلة.
لكن إذا تعارضا:
من يُطاع؟
هذه هي لحظة كشف الازدواجية.
ولهذا أرى أن أهم معيار في دراسة القطاع الأمني العراقي ليس عدد الأسلحة ولا عدد المقاتلين.
بل:
وحدة الطاعة عند التعارض.
10. القرار العسكري الخارجي: هنا تصبح المشكلة سيادية
إذا قامت قوة عراقية بعمل مسلح خارج الحدود أو ضد دولة أخرى من دون تفويض حكومي، فالمسألة لم تعد محلية.
لأن الدولة الأخرى لا ترى فقط:
الفصيل.
بل قد ترى:
العراق.
وهنا يمكن لفاعل غير حكومي أو شبه حكومي أن يحمّل الدولة كلها:
♦️ كلفة عسكرية.
♦️ عقوبات.
♦️ أزمة دبلوماسية.
♦️ ردًا انتقاميًا.
♦️ أو تورطًا في حرب.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت أمثلة متكررة على هذا النوع من التوتر بين مواقف الحكومة العراقية وبين هجمات تنسب إلى جماعات مسلحة عراقية مرتبطة بإيران أو بـ«المقاومة الإسلامية في العراق». Chatham House كان قد وثق أصلًا أن شبكات الحشد تتحرك عبر الأمن والسياسة والاقتصاد وتتداخل مع مؤسسات الدولة بدل أن تكون منفصلة عنها.
11. وهذا يقودنا إلى أهم سؤال في الأمن القومي العراقي
ليس:
هل لدى العراق جيش؟
ولا:
هل لدى الحكومة قائد عام؟
بل:
هل تمتلك الحكومة حقًا حصريًا في تحديد متى يستخدم العراقيون القوة ضد الخارج؟
إذا كانت الإجابة دائمًا نعم، فلدينا دولة مكتملة السيادة أمنيًا.
إذا كانت الإجابة أحيانًا لا، فلدينا:
سيادة أمنية موزعة.
وهذا أدق تعبير أراه في هذه المرحلة.
12. السياسة الخارجية العراقية: التوازن كعقيدة بقاء
الحكومة العراقية، منذ سنوات، تحاول المحافظة على شبكة علاقات متوازنة مع:
♦️ إيران.
♦️ الولايات المتحدة.
♦️ دول الخليج.
♦️ تركيا.
♦️ الدول العربية.
♦️ أوروبا.
♦️ بقية المجتمع الدولي.
وهذا ليس ترفًا.
إنه نابع من الجغرافيا.
العراق لا يستطيع بسهولة أن يتحول إلى:
قاعدة ضد إيران
ولا إلى:
ساحة حرب ضد الولايات المتحدة
ولا إلى:
ملحق بمحور واحد
من دون دفع كلفة هائلة.
ولهذا أصبح التوازن الخارجي نفسه جزءًا من الأمن القومي العراقي.
13. لكن بعض القوى الداخلية لا تعتمد التوازن نفسه
وهنا تبدأ الفجوة.
قد ترى الحكومة:
إيران شريكًا والولايات المتحدة شريكًا آخر.
بينما يرى فصيل عقائدي أن الولايات المتحدة:
عدو استراتيجي.
وقد ترى الحكومة دولة خليجية:
شريكًا اقتصاديًا.
بينما ينظر إليها فاعل مسلح من خلال:
الصراع الإقليمي الأوسع.
ومن هنا تصبح لدينا:
استراتيجية الدولة: التوازن.
واستراتيجية بعض الشبكات: الاصطفاف.
وهذا تضارب جوهري.
14. العلاقات مع إيران: من دولة إلى شبكة
العلاقة العراقية–الإيرانية ليست علاقة دولة بدولة فقط.
هي أيضًا:
♦️ علاقة أحزاب بأحزاب.
♦️ جماعات مسلحة بأجهزة إيرانية.
♦️ رجال دين برجال دين.
♦️ تجار وشبكات اقتصادية.
♦️ حدود وأسواق وطاقة.
♦️ روابط اجتماعية ودينية.
ولهذا فإن نفوذ إيران في العراق لا يمر فقط عبر السفارة و وزارة الخارجية.
بل عبر:
شبكات متعددة المستويات داخل المجتمع والسياسة والأمن والاقتصاد.
وهذا يمنح العلاقة عمقًا أكبر من العلاقات الدبلوماسية العادية.
15. لكن علينا أن نفرق بين النفوذ والسيطرة
وجود نفوذ إيراني كبير لا يعني أن كل قرار عراقي يُتخذ في طهران.
هذه مبالغة.
العراق لديه:
◾️أحزاب متنافسة،
◾️مصالح محلية،
◾️مرجعية نجفية مستقلة،
◾️مؤسسات دولة،
◾️علاقات دولية متعددة،
◾️قوى كردية وسنية وشيعية ذات حسابات مختلفة.
إذن الأدق:
إيران تمتلك نفوذًا عميقًا داخل بعض شبكات النظام العراقي، لكنها لا تملك احتكار القرار العراقي كله.
وهذه صياغة أكثر علمية.
16. الولايات المتحدة: نوع مختلف من النفوذ
وهنا أيضًا يجب الفصل.
النفوذ الأميركي يعمل بدرجة كبيرة عبر:
♦️ النظام المالي الدولي.
♦️ الدولار.
♦️ التدريب والتسليح.
♦️ العلاقات الدولية.
♦️ الاستخبارات.
♦️ التعاون العسكري.
♦️ المؤسسات الاقتصادية العالمية.
بينما النفوذ الإيراني يعمل بدرجة أكبر عبر:
♦️ الأحزاب.
♦️ الفصائل.
♦️ العلاقات الدينية.
♦️ الشبكات الحدودية.
♦️ العلاقات الاجتماعية والسياسية المباشرة.
إذن لا يمكن قياس الاثنين بمسطرة واحدة.
«النفوذ الأميركي مؤسساتي–دولي بدرجة كبيرة».
«النفوذ الإيراني شبكي–داخلي بدرجة أكبر».
وهذا التفريق سنحتاجه لاحقًا بشدة.
17. بعد الانسحاب الأميركي في سبتمبر 2026
هذه النقطة أصبحت أكثر أهمية الآن.
في 30 سبتمبر 2026 اكتمل انسحاب القوات الأميركية من العراق، لتنتهي مرحلة عسكرية استمرت أكثر من عقدين، بينما بقي الدعم الاستخباري والتدريبي بأشكال أخرى. وأثار الانسحاب مخاوف مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على إدارة التوازن بين القوى المسلحة المختلفة وبقايا التهديدات الأمنية.
وهذا يعني أن السؤال العراقي تغيّر.
لم يعد فقط:
متى تخرج القوات الأميركية؟
بل:
من يملأ فراغ القرار الأمني بعد خروجها؟
وهذه نقطة بالغة الأهمية في مفهوم السيادة.
فالسيادة لا تتحقق بمجرد خروج جيش أجنبي.
بل عندما:
تحتكر الدولة نفسها القرار الذي تركه ذلك الجيش وراءه.
18. وهذه تعيدنا إلى فكرتك الأساسية عن السيادة
إذا قلنا:
السيادة = خروج القوات الأجنبية
فإننا نختزل المفهوم.
السيادة الأمنية تعني أيضًا:
♦️ من يقرر الحرب؟
♦️ من يسمح بالهجوم من أرض العراق؟
♦️ من يمنع الهجوم؟
♦️ من يضبط الحدود؟
♦️ من يحتكر السلاح الاستراتيجي؟
♦️ من يتحمل المسؤولية الدولية؟
ومن هنا يمكن أن نقول:
السيادة ليست غياب الجندي الأجنبي فقط؛ بل غياب أي قرار عسكري خارج سلسلة الدولة.
وهذه جملة أراها مركزية جدًا.
19. المجلس الوزاري للأمن الوطني: محاولة الدمج
العراق يمتلك مؤسسات رسمية للتنسيق الأمني والسياسي، وعلى رأسها المجلس الوزاري للأمن الوطني وهياكل القيادة المختلفة.
وظيفتها أن تجمع:
♦️ الحكومة،
♦️ الأمن،
♦️ العسكر،
♦️ الاستخبارات،
داخل قرار واحد.
لكن المشكلة العراقية ليست غياب غرف التنسيق.
المشكلة:
هل كل القوى المسلحة الفعلية تقع بالكامل داخل هذه الغرفة؟
إذا بقي جزء من القرار خارجها، تظل الازدواجية قائمة.
20. المخابرات والأمن:
تعدد الأجهزة لا يعني بالضرورة ازدواج الدولة
من المهم هنا ألا نخطئ.
كل دولة كبيرة لديها:
♦️ مخابرات،
♦️ أمن وطني،
♦️ استخبارات عسكرية،
♦️ مكافحة إرهاب.
تعدد الأجهزة ليس بحد ذاته مشكلة.
المشكلة تظهر عندما:
♦️ تصبح بعض الأجهزة مرتبطة بولاءات سياسية.
♦️ أو تتنافس خارج آلية مؤسساتية واضحة.
♦️ أو تتلقى توجيهات من مراكز سياسية متعددة.
إذن المعيار هو:
وحدة المرجعية، لا عدد الأجهزة.
21. العراق ودبلوماسية الوساطة
هناك أيضًا وجه إيجابي لهذه الازدواجية والتشابك.
العراق استطاع في مراحل مختلفة أن يلعب أدوار وساطة لأنه يمتلك:
قنوات مع إيران
وفي الوقت نفسه:
علاقات مع الولايات المتحدة والعرب.
كما أن وجود أطراف عراقية لديها صلات قوية بمحاور متعارضة يمنح بغداد أحيانًا قدرة على نقل الرسائل.
وهنا نرى ما يمكن وصفه بـ:
الاستفادة الدبلوماسية من موقع العراق بين المحاور.
أي أن الوضع الذي يخلق مشكلة سيادة يمكن، في ظروف أخرى، أن يصبح أداة وساطة.
22. لكن الوساطة لا يجب أن تتحول إلى فقدان موقف الدولة
هناك فرق بين:
أن تكون جسرًا بين الأطراف
وبين:
أن تكون ساحة للأطراف.
الوسيط يحتاج إلى:
استقلال قرار.
أما الساحة:
فتتحرك فيها القوى الأخرى.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للدبلوماسية العراقية.
قيمة التوازن ليست أن يقف العراق بين الجميع، بل أن يستطيع قول «لا» للجميع عندما تتعارض مصالحهم مع مصلحته.
وهذه نقطة استراتيجية مهمة جدًا.
23. مفهوم «الباب الدوار» بين الرسمي وغير الرسمي
في العراق قد ينتقل الفاعل بين أدوار متعددة:
اليوم قائد فصيل.
غدًا سياسي.
بعدها نائب.
ثم وزير أو مسؤول أو ممثل في مؤسسة رسمية.
وهذه الحركة تجعل الفصل بين:
العسكري
و:
السياسي
و:
الدولة
أكثر صعوبة.
Chatham House وثق كيف تحولت نجاحات شبكات الحشد العسكرية بعد الحرب على داعش إلى قوة سياسية وانتخابية واتصالات أعمق بالمؤسسات الحكومية والوزارات.
وهنا لا يكون الفاعل خارج الدولة.
بل يصبح:
جزءًا من الدولة مع احتفاظه بجزء من شبكته الأصلية.
24. وهذا يخلق مشكلة المساءلة
إذا شن تنظيم مسلح هجومًا:
الحكومة قد تقول:
لم نأمر به.
لكن التنظيم قد يكون:
ممثلًا في البرلمان،
أو قريبًا من كتلة حاكمة،
أو جزءًا من هيئة ممولة حكوميًا.
وهنا يسأل الخارج:
أين تنتهي الدولة وأين يبدأ الفصيل؟
وهذا الغموض قد يكون مفيدًا تكتيكيًا أحيانًا.
لكنه خطير استراتيجيًا.
لأن:
الغموض الذي يمنحك إنكارًا اليوم قد يمنح خصمك ذريعة لتحميل الدولة كلها المسؤولية غدًا.
25. هل هذا الغموض أداة ردع؟
أحيانًا نعم.
وجود قوى لا تتحرك بالضرورة عبر البيروقراطية الرسمية يمنح الدولة مجالًا للإنكار أو الضغط غير المباشر.
لكن الفرق المهم عن إيران هو:
في إيران، الشبكات الإقليمية تعمل ضمن استراتيجية دولة أكثر مركزية.
أما في العراق، ليست الحكومة دائمًا الجهة التي تستخدم الشبكة.
وقد تكون الشبكة نفسها هي التي تستخدم موقعها داخل الدولة لخدمة قرارها.
وهذه نقطة جوهرية سنحتفظ بها للمقارنة لاحقًا.
26. البعد الكردي: سياسة خارجية داخل الدولة الاتحادية
العراق اتحادي.
وإقليم كردستان يمتلك مؤسسات وعلاقات اقتصادية وسياسية دولية واسعة.
هذا لا يعني أنه يمتلك «سياسة خارجية مستقلة» قانونيًا كدولة ذات سيادة.
لكن الواقع الاتحادي يمنحه:
♦️ علاقات مباشرة مع حكومات.
♦️ شركات دولية.
♦️ بعثات وتمثيلًا خارجيًا بدرجات مختلفة.
♦️ ملفات أمنية خاصة.
وهنا تظهر طبقة أخرى من تعدد القنوات الخارجية لا علاقة لها بالحشد.
وهذا مهم حتى لا نجعل كل الازدواجية العراقية شيعية أو فصائلية.
27. العلاقة مع تركيا نموذج آخر
شمال العراق يكشف أيضًا تعقيد السيادة.
تركيا نفذت عبر سنوات عمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية.
وهنا تجد بغداد نفسها أمام:
♦️ سيادة اتحادية.
♦️ إقليم كردستان.
♦️ تركيا.
♦️ حزب العمال.
♦️ قوى محلية مختلفة.
أي أن التحدي الأمني العراقي ليس إيران والفصائل فقط.
بل أوسع:
التعدد الأمني الجغرافي والسياسي نفسه.
28. البعد الأميركي بعد الانسحاب: النفوذ لا ينتهي بخروج القوات
حتى بعد الانسحاب العسكري المباشر، تبقى الولايات المتحدة قوة مؤثرة بسبب:
◾️الدولار،
◾️النظام المالي،
◾️التسليح،
◾️التدريب،
◾️التكنولوجيا،
◾️العلاقات الدولية.
ولهذا فإن:
الانسحاب العسكري لا يساوي نهاية النفوذ الأميركي.
تمامًا كما أن:
وجود نفوذ إيراني لا يساوي احتلالًا عسكريًا إيرانيًا.
وهذا التفريق مهم جدًا لتجنب الخطاب السياسي المبسط.
29. الأمن القومي: ما هي مصلحة العراق نفسه؟
هنا نصل إلى العقدة الأهم.
إذا كان الأمن القومي العراقي مستقلًا فعلًا، فيجب أن تكون نقطة البدء:
ما الذي يحمي العراق؟
لا:
ما الذي يخدم إيران؟
ولا:
ما الذي يخدم الولايات المتحدة؟
ولا:
ما الذي يخدم حزبًا أو فصيلًا.
وإنما:
هل هذا القرار يزيد أمن الدولة العراقية أم يقلله؟
وهذه هي نقطة التحول من:
سياسة المحاور
إلى:
سياسة الدولة.
30. التقييم المؤسساتي المحايد
◾️ الجانب الإيجابي
♦️ أولًا: تعدد قنوات الاتصال
وجود شبكات مختلفة يمنح العراق وصولًا إلى أطراف متعارضة، ويمكن أن يساعد في الوساطة.
♦️ ثانيًا: مرونة التعامل مع البيئة الإقليمية
لا يُختزل العراق بمحور واحد بسهولة.
وهذا يساعده على المناورة.
♦️ ثالثًا: تنوع المؤسسات الأمنية
وجود الجيش ومكافحة الإرهاب والحشد والأجهزة الأخرى يوفر طيفًا واسعًا من القدرات الأمنية.
♦️ رابعًا: الاستفادة من الخبرات المختلفة
الحشد اكتسب خبرة كبيرة في الحرب غير التقليدية، والجيش في التنظيم العسكري التقليدي، ومكافحة الإرهاب في العمليات الخاصة.
ومن حيث المبدأ، توحيد هذه القدرات تحت قيادة واحدة يمكن أن ينتج قوة أمنية كبيرة جدًا.
♦️ خامسًا: قدرة العراق على لعب دور الوسيط
موقعه وعلاقاته تمنحه قابلية لأن يصبح نقطة تواصل بين خصوم إقليميين.
◾️ الجانب السلبي
♦️ أولًا: احتمال تعدد قرار الحرب
هذه هي أخطر نقطة.
إذا استطاع أكثر من مركز تقرير استخدام القوة الخارجية، فإن:
قرار الحرب لم يعد محتكرًا من الدولة.
♦️ ثانيًا: تحميل الدولة كلفة فعل لم تقرره
يمكن لفصيل أن يقوم بفعل، بينما الدولة كلها تتحمل الرد أو العقوبات.
♦️ ثالثًا: ضعف مصداقية التعهدات الدولية
إذا تعهدت الحكومة بمنع استخدام أراضيها ضد دولة أخرى، لكنها لا تستطيع فرض ذلك، تصبح المشكلة:
قدرة الدولة على تنفيذ التزامها.
♦️ رابعًا: تضارب التوازن الرسمي مع الاصطفاف الفصائلي
الحكومة تريد علاقات مع الجميع.
لكن بعض القوى ترى العالم من خلال محور محدد.
وهذا يضعف وضوح السياسة الخارجية.
♦️ خامسًا: صعوبة بناء عقيدة أمن قومي عراقية خالصة
إذا كان لكل قوة تعريفها الخاص للعدو والصديق، يصبح الاتفاق على:
من يهدد العراق؟
أصعب.
♦️ سادسًا: تحول العراق إلى ساحة ردود متبادلة
إذا استخدمت أراضيه في الصراع بين قوى خارجية، يصبح هو من يدفع الثمن حتى حين لا تكون الحرب حربه.
31. المفارقة الكبرى في السياسة الخارجية العراقية
العراق يمتلك اعترافًا دوليًا كاملًا بالدولة، لكنه لا يمتلك دائمًا احتكارًا كاملًا لكل أدوات السياسة الخارجية المرتبطة بالقوة.
الخارجية تتحدث باسم العراق.
لكن بندقية أو مسيرة عراقية قد تتحدث أحيانًا بلغة أخرى.
وهذا هو جوهر الازدواج.
32. المفارقة الثانية: القوى الموازية تحتاج الدولة التي تنازعها القرار
الفصيل يحتاج:
◾️الراتب،
◾️الغطاء القانوني،
◾️المؤسسات،
◾️والبيئة السياسية العراقية.
لكنه قد يحتفظ بحق مستقل في تعريف:
◾️العدو،
◾️الحليف،
◾️والتوقيت.
وهكذا:
«يأخذ من الدولة شرعية الوجود، بينما يحتفظ أحيانًا بجزء من سيادة القرار».
33. الخلاصة المؤسساتية العراقية الثانية
تقوم السياسة الخارجية والأمن القومي في العراق على ازدواج بين وحدة قانونية للقرار وتعدد فعلي في بعض أدواته. فالحكومة ووزارة الخارجية والقائد العام يمثلون الدولة رسميًا، والجيش والأجهزة الأمنية والحشد جميعها تقع قانونًا داخل مؤسساتها؛ لكن الواقع السياسي والأمني أنتج شبكات حزبية ومسلحة تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلال في علاقاتها الخارجية وتعريفها للتهديدات واستخدامها للقوة. ومن هنا لا تكمن مشكلة العراق في غياب وزارة خارجية أو جيش أو قائد عام، بل في مدى قدرة تلك المؤسسات على احتكار القرار عندما تتعارض إرادة الدولة مع إرادة الشبكات الموجودة داخلها. وقد يمنح هذا التعدد العراق مرونة وقنوات اتصال وقدرة على الوساطة، لكنه يخلق في المقابل خطرًا جوهريًا: أن تستطيع جهة غير مخولة دستوريًا أن تنتج قرارًا أمنيًا تلتزم الدولة كلها بدفع كلفته.
«السيادة الخارجية ليست أن يكون للعراق علم وسفارة؛ السيادة أن لا يستطيع أحد استخدام أرض العراق وسلاحه لإدخاله في حرب لم تقررها دولته».
منبر العراق الحر منبر العراق الحر