«السياسة الخارجية والأمن القومي في الدولة المزدوجة الإيرانية» ….الدكتور ثائر العجيلي

منير العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»

التقرير الاستراتيجي رقم (55)/4:

«تعدد الأدوات ووحدة المرجعية الاستراتيجية»

8 تشرين الأول / أكتوبر 2026

1. القاعدة الأولى: السياسة الخارجية الإيرانية ليست حكرًا على وزارة الخارجية

في الدول التقليدية تكون وزارة الخارجية هي الجهاز المركزي الذي يصوغ العلاقات الدولية وينفذها بتوجيه من الحكومة. أما في إيران، فوزارة الخارجية ليست مركز السيادة الخارجية الوحيد؛ بل هي إحدى أدوات منظومة أوسع تتوزع بين مؤسسة القيادة، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحكومة، والحرس الثوري، والقوات المسلحة، والأجهزة الأمنية.

والسبب يعود إلى البناء الدستوري نفسه. فالمرشد الأعلى يملك رسم السياسات العامة للنظام، والإشراف على تنفيذها، والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة. كما أن المادة 176 من الدستور تجعل المجلس الأعلى للأمن القومي مسؤولًا عن تحديد سياسات الدفاع والأمن القومي ضمن السياسات العامة التي يحددها المرشد، ولا تصبح قرارات المجلس نافذة إلا بعد مصادقته.

ومن هنا تكون القاعدة الأولى:

الخارجية الإيرانية تنفذ السياسة الخارجية، لكنها لا تحتكر صناعتها.

2. المرشد الأعلى: صانع الحدود الاستراتيجية

يجب هنا أن نفرق بين صناعة كل قرار يومي وبين تحديد الاتجاه الاستراتيجي.

ليس من الدقة تصور أن المرشد يدير كل لقاء دبلوماسي أو كل مذكرة تفاهم، لكن القضايا الكبرى المرتبطة بأمن النظام والحرب والسلام والعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والبرنامج النووي والانتشار الإقليمي تقع ضمن المجال الذي تتمتع فيه مؤسسة القيادة بثقل حاسم.

صلاحيات القيادة الدستورية في القوات المسلحة والسياسات العامة تجعل المرشد مرجعية فوق حكومية عندما ينتقل الموضوع من إدارة العلاقات الخارجية اليومية إلى الأمن القومي أو بقاء النظام أو الحرب.

إذن يمكن أن نقول:

الرئيس يستطيع تغيير أسلوب السياسة الخارجية، لكنه لا يستطيع منفردًا تغيير عقيدة الأمن القومي الإيراني.

وهذا فرق أساسي.

رئيس إصلاحي قد يختار لغة المصالحة، ورئيس محافظ قد يختار لغة المواجهة، لكن كليهما يعملان داخل حدود استراتيجية أوسع يصنعها النظام وليس الرئيس وحده.

3. المجلس الأعلى للأمن القومي: غرفة صناعة القرار المشترك

إذا كان المرشد هو قمة المرجعية، فإن المجلس الأعلى للأمن القومي هو أهم مؤسسة لتحويل تلك المرجعية إلى سياسة منسقة.

وفق المادة 176 من الدستور، يضم المجلس رؤساء السلطات، ومسؤولين حكوميين، ووزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات، وكبار القادة العسكريين، وممثلين للمرشد، إضافة إلى القيادات العسكرية ذات الصلة. وهو مكلف بتحديد سياسات الدفاع والأمن القومي، وتنسيق النشاطات السياسية والاستخبارية والاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بهذه السياسات، وتوظيف الموارد لمواجهة التهديدات.

هذه التركيبة مهمة جدًا لأنها تكشف أن الأمن القومي الإيراني لا يفصل بين:

السياسة الخارجية + الاستخبارات + الجيش + الحرس + الاقتصاد + الحكومة.

بل يجمعها داخل مؤسسة واحدة.

لكن المجلس نفسه لا يتحول إلى مركز سيادة مستقل، لأن قراراته تحتاج إلى تأييد القيادة.

ومن هنا يصبح المجلس:

غرفة الدمج بين الدولة الجمهورية والدولة العقائدية، لا بديلاً عنهما.

4. وزارة الخارجية: الدبلوماسية الرسمية ومساحة المناورة

وزارة الخارجية تمثل إيران الدولة في النظام الدولي: السفارات، المنظمات الدولية، المفاوضات، الاتفاقات، العلاقات الثنائية، والقنوات الرسمية.

لكن نطاق استقلالها يختلف باختلاف الملف.

في الملفات التقليدية — التجارة، العلاقات الثقافية، التعاون الاقتصادي، العلاقات الثنائية العادية — تكون مساحة الحكومة والخارجية واسعة نسبيًا.

أما كلما اقترب الملف من:

♦️ الولايات المتحدة،

♦️ إسرائيل،

♦️ البرنامج النووي،

♦️ الحروب الإقليمية،

♦️ الجماعات المسلحة الحليفة،

♦️ الردع العسكري،

♦️ أمن النظام،

تزداد مساهمة المجلس الأعلى للأمن القومي والحرس ومؤسسة القيادة في صنع القرار.

وهذا هو السبب الذي يجعل من الخطأ وصف الخارجية الإيرانية بأنها مجرد «واجهة»؛ فهي مؤسسة حقيقية ومؤثرة. لكن الخطأ المقابل هو تصور أنها تملك السياسة الخارجية وحدها.

الأدق:

الخارجية تمتلك الدبلوماسية، لكنها تشارك غيرها في صناعة الاستراتيجية.

5. الحرس الثوري: عندما تتحول السياسة الخارجية إلى قوة

الحرس الثوري ليس وزارة خارجية ثانية، لكنه أصبح أحد أهم أدوات تنفيذ السياسة الخارجية عندما يكون الهدف مرتبطًا بالردع، أو بناء النفوذ العسكري، أو العمل مع الشركاء والجماعات المسلحة الإقليمية.

الحرس مؤسسة عسكرية رسمية في الدولة الإيرانية، وتتبعه خمسة مكونات رئيسية، من بينها فيلق القدس، وهو الذراع المتخصص بالعمليات الخارجية والعلاقات العسكرية مع الشركاء الإقليميين. وتشير مصادر متعددة إلى الدور المركزي للحرس، وبخاصة فيلق القدس، في دعم وتنظيم وتسليح وتدريب جماعات حليفة لإيران في المنطقة.

وهنا نحتاج إلى الدقة :

ليس صحيحًا أن فيلق القدس «يحتكر» ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن بصورة كاملة.

الأدق أن نقول:

فيلق القدس هو الأداة الإيرانية الأكثر تخصصًا وتأثيرًا في إدارة العلاقات العسكرية والأمنية مع الشبكات الحليفة في الإقليم، لكنه يعمل داخل استراتيجية أوسع تشارك فيها القيادة والمجلس الأعلى للأمن القومي والحكومة والخارجية.

6. فيلق القدس: الدبلوماسية المسلحة

هنا تظهر إحدى أكثر خصائص النظام الإيراني تفردًا.

فالدبلوماسي التقليدي يتعامل مع الدول والحكومات.

أما فيلق القدس فيستطيع التعامل مع:

♦️ أحزاب سياسية.

♦️ جماعات مسلحة.

♦️ حكومات.

♦️ أجهزة أمنية.

♦️ قيادات عسكرية.

♦️ حركات عقائدية.

♦️ شبكات محلية عابرة للحدود.

وبالتالي فهو يمارس ما يمكن تسميته:

«دبلوماسية القوة غير التقليدية».

هذه ليست دبلوماسية بالمعنى القانوني، لكنها تؤدي وظيفة سياسية خارج الحدود: بناء العلاقات، المحافظة على الحلفاء، إدارة الردع، نقل الخبرة والسلاح، وتنسيق المصالح الأمنية.

المصادر الغربية الرسمية تصف فيلق القدس بأنه الآلية الرئيسية التي استخدمتها إيران لدعم مجموعات حليفة خارج أراضيها وتزويدها بالتمويل والتدريب والتسليح.

7. الجيش النظامي والحرس:

تقسيم الوظيفة لا تقسيم السيادة

هنا نصل إلى مسألة مهمة جدًا في الدولة المزدوجة.

الجيش النظامي Artesh يتمحور أساسًا حول حماية الإقليم الإيراني، والدفاع التقليدي، والقوات البرية والبحرية والجوية التقليدية.

أما الحرس الثوري فله وظائف أوسع متصلة بحماية النظام، والقدرات الصاروخية، والحرب غير المتناظرة، والشبكات الإقليمية، إضافة إلى أدواره الداخلية والاقتصادية.

لكن كليهما ينتهي، في النهاية، عند القيادة العليا للقوات المسلحة التي يحتفظ بها المرشد دستوريًا.

ومن هنا:

إيران تمتلك ازدواجًا عسكريًا في المؤسسة، لكنها لا تمتلك ازدواجًا نهائيًا في القيادة العليا.

وهذه واحدة من أهم نقاط القوة في النموذج الإيراني مقارنة بدول تتعايش فيها قوات مسلحة متعددة من دون رأس قيادة نهائي مشترك.

8. العقيدة الأمنية: الدفاع يبدأ خارج الحدود

من هنا ندخل إلى الجوهر الاستراتيجي.

التجربة التاريخية للحرب العراقية–الإيرانية تركت أثرًا عميقًا في التفكير الأمني الإيراني. أحد الاستنتاجات التي تطورت لاحقًا هو أن إيران لا ينبغي أن تنتظر وصول التهديد إلى حدودها.

ظهر تدريجيًا مفهوم يُوصف في الأدبيات بـ «الدفاع المتقدم» أو Forward Defense؛ أي محاولة التعامل مع التهديدات خارج الأراضي الإيرانية، وبناء قدرة ردع في العمق الإقليمي بدل الاقتصار على الدفاع داخل الحدود. بعض الدراسات المتخصصة تربط هذه العقيدة بتوسع دور الحرس والشبكات الحليفة خارج إيران.

وهنا يجب أن نكون محايدين في تفسير المنطق الإيراني نفسه.

من وجهة نظر طهران، وجود قوى حليفة خارج الحدود يوفر:

♦️ إنذارًا مبكرًا.

♦️ عمقًا دفاعيًا.

♦️ قدرة على الرد من مسارح مختلفة.

♦️ رفع كلفة الهجوم المباشر على إيران.

♦️ تقليل الحاجة إلى مواجهة تقليدية مباشرة مع خصم أقوى عسكريًا.

أما من وجهة نظر خصوم إيران، فإن الاستراتيجية نفسها تعني توسيع النفوذ الإيراني والتدخل في الدول الأخرى.

الآلية واحدة؛ التوصيف السياسي يختلف باختلاف موقع الناظر إليها.

9. «محور المقاومة»: من الحليف إلى بنية الردع

المهم مؤسساتيًا ألا ننظر إلى الجماعات المرتبطة بإيران على أنها كتلة واحدة لها درجة واحدة من التبعية.

العلاقات تختلف جذريًا من حالة إلى أخرى.

بعض القوى تربطها بإيران علاقة عقائدية وتنظيمية وثيقة، وأخرى تقوم العلاقة معها على المصالح المشتركة والدعم، بينما تمتلك بعضها أجندات محلية مستقلة بصورة أكبر.

إذن الأدق ليس:

«إيران تأمر وجميع الآخرين ينفذون».

ولا العكس:

«جميعهم مستقلون بالكامل».

بل:

شبكة حلفاء ذات درجات متفاوتة من الاستقلال والاعتماد والتنسيق مع طهران.

لكن هذه الشبكة، من وجهة النظر الاستراتيجية الإيرانية، توسع المجال الذي تستطيع إيران من خلاله التأثير أو الرد على خصومها من دون حصر المواجهة داخل أراضيها. الدور المحوري لفيلق القدس في بناء ودعم هذه العلاقات موثق في مصادر متعددة.

10. الصواريخ والطائرات المسيّرة:

الردع الذي لا يحتاج إلى تكافؤ تقليدي

الهندسة الأمنية الإيرانية لم تعتمد فقط على الشبكات الخارجية.

إيران بنت أيضًا قدرة صاروخية ومسيّرة لتجاوز التفوق الجوي والتكنولوجي لخصومها.

المنطق الاستراتيجي بسيط:

إذا كان من الصعب منافسة الولايات المتحدة أو إسرائيل بطائرة مقابل طائرة، فيمكن بناء قدرة تجعل المنشآت والقواعد والمدن والبنى الاستراتيجية للخصم عرضة للضرب.

وبذلك تنتقل معادلة الردع من:

تكافؤ في نوع القوة

إلى:

القدرة على إيقاع كلفة غير مقبولة.

وهذا هو جوهر الردع غير المتناظر.

11. البرنامج النووي:

السياسة الخارجية والأمن القومي يلتقيان

لا يمكن وضع الملف النووي ضمن وزارة الخارجية وحدها.

المفاوض قد يكون وزير الخارجية أو فريقًا دبلوماسيًا رسميًا، لكن الملف ذاته يمس الأمن القومي، والردع، والعقوبات، والاقتصاد، ومستقبل النظام.

ولذلك كان المجلس الأعلى للأمن القومي تاريخيًا مؤسسة مركزية في إدارة الملف، ضمن الخطوط التي تقرها القيادة. وهو مثال نموذجي على عمل الدولة المزدوجة:

القيادة ترسم الحدود الكبرى → مؤسسات الأمن القومي تصوغ السياسة → الدبلوماسية تفاوض → المؤسسات التقنية تنفذ.

ومن هنا يمكن أن تختلف الحكومات في تكتيك

التفاوض من دون أن تمتلك بالضرورة سلطة منفردة لتغيير الهدف الاستراتيجي.

12. إذن من يقرر الحرب؟

دستوريًا القضية أوضح مما تبدو عليه خارجيًا.

المادة 110 تجعل إعلان الحرب والسلام والتعبئة من اختصاص القيادة.

لكن القرار العملي لا يولد عادة من شخص واحد بمعزل عن المؤسسة.

يمكن تصور المسار على النحو الآتي:

الأجهزة العسكرية والاستخبارية

⬇

تقدم التقديرات والخيارات

الحكومة والخارجية

⬇

تقدم التقدير السياسي والدولي والاقتصادي

المجلس الأعلى للأمن القومي

⬇

ينسق ويبلور القرار

المرشد الأعلى

⬇

يملك سلطة الحسم النهائي في القضايا السيادية الكبرى.

هذه هي هندسة القرار.

13. ومن يقرر السلم والتفاوض؟

هنا تظهر المفارقة.

المرشد قد يضع الخط الأحمر، لكنه لا يجلس عادة إلى طاولة التفاوض.

الحكومة والخارجية تتفاوضان.

وهذا يسمح للنظام بأن يفصل بين:

مالك القرار ومفاوض القرار.

وهي ميزة مؤسساتية مهمة، لأنها تتيح للمفاوض هامشًا للتكتيك، وفي الوقت نفسه تحمي القيادة من الانغماس المباشر في كل تنازل أو فشل تفاوضي.

لكنها تنتج أيضًا مشكلة سأعود إليها في السلبيات: من يتحمل المسؤولية عندما يفشل التفاوض؟

14. هل توجد خلافات حقيقية بين الخارجية والحرس؟

نعم.

وجود المرجعية النهائية لا يلغي اختلاف الرؤية المؤسسية.

الدبلوماسي يرى العالم من زاوية:

العقوبات، الشرعية الدولية، الاتفاقات، الأسواق، التحالفات، وتكاليف المواجهة.

أما العسكري فيراه من زاوية:

الردع، المخاطر، القدرة العملياتية، ميزان القوى، والتوقيت.

لذلك قد تظهر خلافات في الأسلوب والأولوية.

لكن النظام الإيراني يمتلك مؤسسات مصممة لمنع تحول هذه الخلافات إلى انقسام سيادي كامل، والمجلس الأعلى للأمن القومي هو أهم ساحات احتوائها.

15. التقييم المؤسساتي المحايد

◾️الإيجاب المؤسساتي:

لماذا أعطت هذه البنية إيران قوة؟

♦️ أولاً: تعدد الأدوات ووحدة الهدف

يمكن لإيران أن تستخدم الدبلوماسية والتجارة والردع العسكري والحلفاء الإقليميين والاستخبارات في الوقت نفسه.

وهذا يعطيها طيفًا واسعًا من أدوات الدولة.

♦️ ثانيًا: فصل التكتيك عن الاستراتيجية

الحكومة تستطيع أن تتغير.

الرئيس يستطيع أن يتغير.

وزير الخارجية يتغير.

لكن العقيدة الأمنية لا تتبدل بنفس السرعة.

وهذا يوفر استمرارية طويلة الأمد.

♦️ ثالثًا: منع الانقلاب الكامل للسياسة مع تغير الرئيس

الحكومات المحافظة والإصلاحية تستطيع تعديل الأسلوب والسرعة، لكنها لا تستطيع بسهولة تفكيك عقود من البنية الأمنية والعسكرية.

من زاوية استمرارية الدولة، هذه قوة مؤسساتية.

♦️ رابعًا: صناعة الردع بكلفة أقل من التكافؤ التقليدي

بدل محاولة مجاراة الولايات المتحدة أو إسرائيل في كل صنف من أصناف السلاح، استثمرت إيران في الصواريخ والمسيّرات والحرب غير المتناظرة والشبكات الإقليمية.

وهذا يوفر ردعًا غير متماثل بكلفة أقل من بناء قوة تقليدية مماثلة لخصومها.

♦️ خامسًا: توسيع العمق الاستراتيجي

الحلفاء والشركاء خارج الحدود يمنحون إيران قدرة على جعل الحرب معها غير محصورة جغرافيًا في إيران.

وهذا جوهر مفهوم الدفاع المتقدم كما تشرحه أدبيات العقيدة العسكرية الإيرانية.

◾️ السلب المؤسساتي:

الكلفة التي تدفعها إيران

♦️ أولاً: تشوش المسؤولية

حين تتخذ الدولة إجراءً عبر شبكة غير حكومية أو مؤسسة أمنية، ثم تجد الخارجية نفسها مطالبة بشرحه أو احتواء آثاره، تظهر فجوة بين:

من نفذ ومن يتحمل الكلفة الدبلوماسية.

وهذا من أبرز مشكلات ازدواج أدوات السياسة الخارجية.

♦️ ثانيًا: خطر تغليب الحساب الأمني على الدبلوماسية

كلما توسعت سلطة المؤسسات الأمنية، قد تتحول السياسة الخارجية من أداة لحماية المصالح إلى امتداد لمنطق الأمن والردع.

حينها يمكن للدبلوماسية أن تصبح أداة لتسوية نتائج القرارات الأمنية بدل أن تكون شريكًا متساويًا في صناعتها.

♦️ ثالثًا: ارتفاع كلفة النفوذ الخارجي

العمق الاستراتيجي ليس مجانيًا.

يتطلب تمويلًا وتسليحًا وتدريبًا ودعمًا سياسيًا واستخباريًا.

ومهما اختلفت الأرقام، فإن المحافظة على شبكات نفوذ خارج الحدود تفرض كلفة على الدولة والاقتصاد، خصوصًا في ظل العقوبات.

♦️ رابعًا: توسع الخصومة مع إيران من الدولة إلى شبكتها الإقليمية

حين تصبح الجماعات المسلحة الحليفة جزءًا من معادلة الردع، يمكن أن تصبح تصرفاتها أيضًا سببًا في تحميل إيران المسؤولية أو الرد عليها.

وهكذا يتحول العمق الاستراتيجي إلى عمق للمخاطر أيضًا.

الأداة التي تزيد الردع يمكن أن تزيد احتمالات التصعيد.

♦️ خامسًا: مشكلة الوكيل المستقل

ليست كل جماعة حليفة آلة تنفذ أمرًا مباشرًا من طهران.

كل جماعة لها قيادتها المحلية ومصالحها وظروفها.

ومن هنا تنشأ مشكلة كلاسيكية في الاستراتيجية:

كلما وسعت الدولة شبكتها، زادت قدرتها؛ لكن كلما زاد عدد الفاعلين، قلّت قدرتها على التحكم الكامل بكل قرار يصدر منهم.

وهذه واحدة من نقاط الضعف البنيوية المهمة جدًا.

♦️ سادسًا: عسكرة السياسة الخارجية

إذا أصبحت القوة المسلحة إحدى أهم أدوات العلاقات الخارجية، فإن الحدود بين:

الدبلوماسية، الردع، الاستخبارات، والعمل العسكري

تصبح أضعف.

قد يكون ذلك فعالًا في الأزمات، لكنه يجعل تخفيض التصعيد أكثر تعقيدًا؛ لأن التسوية لا تحتاج إلى قرار دبلوماسي فقط، بل إلى ضبط شبكة كاملة من المؤسسات والقوى.

16. الخلاصة المؤسساتية الثانية

السياسة الخارجية والأمن القومي في الجمهورية الإسلامية لا يصدران عن مؤسسة واحدة، بل عن منظومة متعددة الأدوات ذات مرجعية استراتيجية عليا. فالمرشد يحدد الإطار العام ويمسك بالقرار السيادي النهائي، والمجلس الأعلى للأمن القومي يدمج تقديرات الدولة والحكومة والعسكر والاستخبارات، ووزارة الخارجية تدير القناة الدبلوماسية الرسمية، بينما يحول الحرس الثوري وفيلق القدس جزءًا من الاستراتيجية إلى قوة وردع ونفوذ خارج الحدود. ومن هنا فإن خصوصية النموذج الإيراني لا تكمن في وجود مؤسسات متوازية فحسب، بل في قدرة النظام على جعل هذه المؤسسات المختلفة تلتقي عند مركز حسم واحد. وهذه هي نقطة قوته الأساسية، وهي في الوقت نفسه مصدر إحدى مشكلاته الكبرى: كلما اتسع دور المؤسسات العقائدية والأمنية في السياسة الخارجية تقلصت المساحة المستقلة للمؤسسات المنتخبة والدبلوماسية التقليدية.

«إيران لا تمتلك سياستين خارجيتين؛ إنها تمتلك طريقتين رئيسيتين لتنفيذ سياسة استراتيجية واحدة: الدبلوماسية الرسمية، والقوة الثورية الموازية».

اترك رد