منبر العراق الحر :
قبل اسبوع زارت الممثلة الهوليودية انجلينا جولي مدينة سنجار العراقية للتعرف على محنة واحزان وتشرد الايزيدين بعد مذابح داعش الارهابية لهم . ونظرت بعينيها الى حالهم وامنياتهم لتبنى مدينتهم ثانية فتذكرت مقال لي عنها كتبته من سنين :
في كتاب اللغة الإنكليزية للصف السادس أعدادي على ما أتذكر كان هناك مقالة بعنوان ( السيدة ذات المصباح ) وهو يتحدث عن الممرضة الإنكليزية (Florence Nightingale ) التي كانت تعالج الجنود الجرحى في حرب القرم. فكنا نحن المعلمون نتحسر على سيدة مجتمع في بلادنا تحمل ذات الصفات وتجيء الى اهوار الجبايش لتعالج البلهازيا والامراض الباطنية التي تفتك بالأطفال والكبار في هذا المكان المنسي ، وكنا ننظر بأعجاب الى حملات تقودها الممثلة الفرنسية برجيت باردو لمنع قتل حيوان الفقمة فنضحك ونقول لماذا لا تأتي فاتنة باريس الشقراء لتقود حملة ضد البلهارسيا بعنوان :لا تجعلوا البلهارسيا تقتل اطفال الاهوار. وبعضنا كان يعشق جين فوند لأنها قادت حملة عالمية ضد الغزو الامريكي لفيتنام .
ويوم زارت الممثلة البريطانية (Vanessa Redgrave ) مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أهداها احد معلمي مدرستنا قصيدة بعنوان ( دمعة فانسيا خيمة لاجئ ) وهي ذات القصيدة التي ابقيت الكثير من كلماتها في ذاكرتي وانا اتذكر الحادث المأسوي الذي قتلت فيه الناشطة الايرلندية مارغريت حسن وكانت تؤدي مهمة انسانية في مساعدة الاطفال العراقيين من ضحايا حرب 2003.
تذكرت قصيدة صديقي وانا اتجول في شوارع دبلن وامزج حماسنا القديم بحزن هذه البلاد التي تخسر من يأتون اليها ليساهموا في صنع الابتسامة واتذكر أن نصي كان بعنوان ( الوردة الايرلندية ) ومن مقدمته حديث عن الليل البارد كعواطف سيدة فاقدة الأمل . تتطاير في الشارع الفارغ صحيفة ممزقة ، تتدحرج العناوين على الإسفلت فيما افتتاحية رئيس التحرير عن سيدة مخطوفة في بلد ملتهب تحاول أن تركن بزاوية ما كي لا تتمزق في انتظار من يتلقفها في الصباح وينتبه إلى صورة سيدة باسمة شعرها أسود وطويل ، والى حين يطل الصباح كان الثلج قد ملأ الأمكنة وتدثر الشارع بغطاء أبيض ، ارتجفت صورة السيدة من البرد ..
صادف مرور نقار الخشب سمع أنفاسها المستغيثة . لكنه لم يفعل شيئا ، فكيف يزيح الثلج ومنقاره تحول إلى طبلة ؟
خيبة أمل أصابت مارجريت وحتى تعوض هذا الفقدان تذكرت جميس جويس وروايته الذائعة الصيت وتمنت أن يجئ البطل الإغريقي لينقذها من الثلج وخاطفيها وليس مستر بلوم..
أتذكر كل تلك الذكريات من حزن الأمس ونساءه الرائعات وانا اشاهد الممثلة الامريكية انجيلا جولي تزور حيا فقيرا من احياء مدينة الصدر في بغداد ،واتخيل مقدار السعادة في عيون الاطفال وهم يجلسون في احضان تلك الممثلة الحنونة والذين اغلبهم ينحدرون من اصول جنوبية يعود ازلها الى قرى الاهوار ومدنها حيث يسكن اغلب سكان مدينة التي حملت ثلاثة مسميات عبر متغيرات تاريخ وجودها دون سواها من اي حي آخر في بغداد حيث بقت تلك المناطق بأسمائها القديمة عدا الحي الذي اسسه الزعيم عبد الكريم فقط أثر فيه مزاج الساسة والاحداث ليتحول الى تسلسل الاسماء فيه متناقضات عجيبة .
وهكذا تلتقي انجيلينا جولي بأطفال الاهوار الهاربين من مواسم الجوع والعطش والحروب ليحلمون بأمان العاصمة .
لكن عواصم هذا الزمان باتت اكثر خطرا من تلك القرى التي تنادم الماء والقصب وصباح رعاة قطعان الجواميس.
بين وجوه نايتنكل وردغريف وفوندا ومارجريت وانجيلينا ، تهبط رحمة الله على الشرق والاهوار من نساء اوربيات فيما نساء هذا الشرق يغرقن في غرام المسلسلات التركية.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر