*الاستنزاف الاستراتيجي الطويل: لماذا تعجز أمريكا عن حسم الصراع مع إيران؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب سياسي…
لم يعد الخلاف بين واشنطن وطهران مجرد نزاع حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل تحول إلى صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تريد شرق أوسط يقوم على: أمن إسرائيل كأولوية استراتيجية، ودمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية، وتأمين طرق الطاقة والتجارة العالمية، وتقليص نفوذ القوى المسلحة المرتبطة بإيران.
في المقابل، ترى إيران أن: إخراجها من معادلة النفوذ يعني تهديداً وجودياً للنظام الإيراني، وأي تسوية إقليمية لا تعترف بدورها ستقود لاحقاً إلى محاصرتها، وأوراق القوة التي بنتها خلال أربعة عقود هي الضمانة الوحيدة لبقائها. ولهذا أصبح الصراع يدور حول “من يرسم خريطة الشرق الأوسط المقبلة؟”.
*أولاً: لماذا وصلت الأزمة إلى مرحلة خطيرة؟*
هناك ثلاثة عوامل تدفع نحو التصعيد:
1- انسداد المسار الدبلوماسي: العلاقة بين الطرفين تعاني أزمة ثقة تاريخية. إيران ترى أن واشنطن، تنسحب من الاتفاقات عندما تتغير الإدارات، وتستخدم العقوبات كسلاح دائم، وتريد تنازلات استراتيجية دون مقابل حقيقي.
أما واشنطن فترى أن إيران: تستخدم المفاوضات لكسب الوقت، وتوسع نفوذها الإقليمي أثناء الحوار، ولا تقدم ضمانات كافية حول مشروعها النووي. لهذا أصبحت المفاوضات وسيلة لإدارة الأزمة لا لحلها.
2- انتقال المواجهة إلى المجال الاقتصادي: العقوبات لم تعد مجرد أداة ضغط، بل أصبحت جزءاً من المعركة نفسها. أما الأموال الإيرانية المجمدة تمثل اليوم: ورقة ضغط أمريكية، وورقة سيادية بالنسبة لإيران، وورقة تفاوض بالنسبة للدول الإقليمية.
ولهذا فإن أي حديث عن مصادرة أو إعادة توجيه هذه الأموال سيُنظر إليه في طهران باعتباره عملاً عدائياً مباشراً.
3- الحرب على الممرات البحرية: هنا تكمن أخطر نقطة، لأن إيران تدرك أن الاقتصاد العالمي يعتمد على الممرات البحرية، والولايات المتحدة تعتمد على حرية الملاحة، ودول الخليج تعتمد على تصدير الطاقة.
ولهذا فإن أي توتر في مضيق هرمز، وباب المندب، وشرق المتوسط، يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط استراتيجية تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي.
*ثانياً: لماذا دخلت السعودية على خط الأزمة؟*
السعودية تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة عن واشنطن وطهران. الرياض لا تريد حرباً أمريكية إيرانية شاملة، وانهيار لبنان، وإغلاق مضيق هرمز. وهذا يؤدي الى انفجار أسعار الطاقة بشكل يهدد الاقتصاد العالمي.
وبعد الاتفاق السعودي الإيراني برعاية جمهورية الصين الشعبية أصبحت المملكة تميل إلى إدارة التنافس مع إيران بدلاً من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. ولهذا فإن الموقف السعودي الحالي يقوم على: منع التمدد العسكري للفوضى. وحماية الاستقرار الاقتصادي. والحفاظ على توازن العلاقات مع واشنطن. وتجنب العودة إلى مرحلة الصدام المباشر مع طهران. ومن هنا يمكن فهم الحساسية السعودية تجاه أي تصعيد في لبنان أو الخليج.
*ثالثاً: ماذا يعني الحديث عن “إشعال المتوسط”؟*
البحر المتوسط أصبح ساحة استراتيجية جديدة للأسباب التالية:
أولاً: الطاقة – البحر المتوسط يحتوي على حقول غاز ضخمة، ومشاريع تصدير نحو أوروبا، وممرات بحرية حيوية.
ثانياً: إسرائيل – إسرائيل تعتبر المتوسط عمقها الاستراتيجي البحري.
ثالثاً: إيران – تحاول الحفاظ على خطوط نفوذ تمتد من: إيران الى العراق والى سوريا ومن ثم الى لبنان. وبالتالي فإن أي تصعيد في المتوسط يهدد شبكة النفوذ الإيرانية ويهدد أيضاً المصالح الغربية.
*رابعاً: هل تستطيع أمريكا فرض معادلة جديدة؟*
هنا تظهر المعضلة الأمريكية، واشنطن تمتلك أكبر قوة بحرية في العالم، وتفوقاً جوياً هائلاً، ونفوذاً مالياً عالمياً. لكن التجارب الحديثة أثبتت أن التفوق العسكري لا يعني نصراً سياسياً، كما ان العقوبات لا تؤدي دائماً إلى تغيير السلوك، وكذلك الحروب الطويلة تستنزف القوى الكبرى. وهذا ما حدث سابقاً في العراق، وأفغانستان. لذلك فإن واشنطن تواجه معضلة استراتيجية، إما التصعيد وتحمل كلفته الاقتصادية والسياسية، أو القبول بتسوية لا تحقق جميع أهدافها.
*خامساً: السيناريوهات المحتملة*
السيناريو الأول: الاحتواء المتبادل وهو (الأرجح)، ويعني ذلك الاستمرار بالضربات المحدودة، واستمرار العقوبات الاقتصادية، واستمرار التفاوض غير المباشر، لتجنب الحرب الشاملة. وهذا هو السيناريو الأكثر واقعية ربما.
والسيناريو الثاني: هو قيام حرب إقليمية واسعة تشمل الخليج، وإسرائيل، والعراق، وسوريا، ولبنان، والبحر الأحمر. لكن كلفته ستكون هائلة على الجميع، لذلك لا يبدو الخيار المفضل لأي طرف.
أما السيناريو الثالث: ستكون صفقة كبرى تتضمن: تفاهمات حول الملف النووي، والإفراج التدريجي عن الأموال المجمدة، وترتيبات أمنية إقليمية، وتخفيف العقوبات على الجانب الايراني.
إلا أن انعدام الثقة يجعل الوصول إلى هذا السيناريو بالغ الصعوبة.
المشكلة الحقيقية ليست أن أمريكا وإيران تتجهان إلى حرب شاملة، بل أن المنطقة دخلت مرحلة “الاستنزاف الاستراتيجي الطويل”. فالولايات المتحدة تحاول تقليص النفوذ الإيراني دون الانجرار إلى حرب كبرى، وإيران تحاول منع إخراجها من المعادلة الإقليمية دون مواجهة مباشرة مع القوة الأمريكية.
أما السعودية ودول الخليج، فهي تجد نفسها بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إلحاق الضرر بالمنطقة، ولذلك أصبح هدفها الأول هو منع الانفجار الشامل لا الانحياز إلى أحد المعسكرين.
ولهذا يمكن القول إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس الحرب نفسها، بل استمرار التوتر عند مستوى مرتفع لفترة طويلة، لأن هذا النوع من الصراعات يستهلك الاقتصادات ويعيد رسم خرائط النفوذ بهدوء، قبل أن يدرك الجميع أن الشرق الأوسط الذي عرفوه لم يعد موجوداً كما كان.

اترك رد