الكوفة المقدسة بين استحقاق التاريخ واستحقاق الدولة….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ان استحداث المحافظات ليس تغييراً في الخريطة بل إعادة توزيع للسلطة والثروة والمسؤولية ولم يكن تصويت مجلس محافظة النجف الأشرف اليوم الثلاثاء الموافق 20 تشرين الأول 2026 على مقترح استحداث محافظة باسم «الكوفة المقدسة» حدثاً إدارياً عابراً يمكن اختزاله في رفع مستوى وحدة إدارية من قضاء إلى محافظة بل هو قرار يفتح باباً واسعاً للنقاش في فلسفة الإدارة العامة وفي عدالة توزيع الموارد وفي حدود الصلاحيات التي ينبغي أن تتمتع بها الوحدات الإدارية في الدولة العراقية. وقد أُعلن عن التصويت بالإجماع على المقترح مع بقاء الإجراءات والموافقات الرسمية اللاحقة التي يتطلبها الاستحداث.
إن الكوفة ليست اسماً عابراً على خارطة العراق وليست تجمعاً سكانياً ينتظر اعترافاً إدارياً بمكانته فحسب. إنها مدينة صنعت جانباً مهماً من الذاكرة الإسلامية والعربية والعراقية واحتضنت أحداثاً وشخصيات تركت أثرها في التاريخ والفكر واللغة والسياسة ومن ثم فإن المطالبة بإنصافها إدارياً تستند إلى اعتبارات تاريخية وحضارية وسكانية وخدمية تستحق الدراسة الجادة بعيداً عن المزايدات السياسية أو الشعارات الاحتفالية.
لكن القضية الأعمق من استحقاق الكوفة هي السؤال الذي يفرض نفسه على الدولة العراقية كلها: هل ينبغي أن تبقى الخريطة الإدارية جامدة مهما تغيرت حاجات السكان واتسعت المدن وتراكمت الأعباء الخدمية…؟
أم أن الإدارة الرشيدة تقتضي مراجعة التقسيمات الإدارية كلما توافرت المبررات الموضوعية والقانونية والاقتصادية اللازمة…؟
إن الدولة الحديثة لا تقاس بعدد محافظاتها ولا بكثرة وحداتها الإدارية بل بقدرتها على إيصال الخدمة إلى المواطن بأقصر طريق وأقل كلفة وأعلى كفاءة ومع ذلك فإن التقسيم الإداري ليس تفصيلاً هامشياً لأن المرتبة الإدارية للوحدة المحلية تؤثر في موقعها ضمن منظومة التخطيط وفي آليات تخصيص الموارد وفي مستوى التمثيل المؤسسي وفي قدرة الإدارة المحلية على ترتيب أولوياتها ومتابعة تنفيذ المشاريع.
إن تحويل القضاء إلى محافظة ليس تغييراً في الاسم بقدر ما هو تغيير محتمل في مركز القرار وفي بنية الإدارة وفي حجم المسؤولية العامة.
فالمحافظة الجديدة تحتاج إلى بنية مؤسسية متكاملة وإلى إدارة تنفيذية وإلى دوائر واختصاصات وموازنات وخطط تنموية وأجهزة رقابية وقد يترتب على استحداثها فتح مواقع وظيفية وإدارية وقيادية جديدة وفقاً للقوانين والهيكل التنظيمي المعتمد وهذا يعني أن القرار لا يتعلق بالخدمات وحدها بل يمتد إلى توزيع المناصب والصلاحيات والمسؤوليات والموارد العامة وهنا تحديداً ينبغي أن نكون واضحين: إن إنشاء محافظة جديدة قد يفتح مجالاً أوسع للإدارة المحلية ويقرب القرار من المواطن لكنه لا يمنحها تلقائياً استقلالاً مالياً مطلقاً ولا يضمن زيادة الموارد المالية بمجرد صدور قرار الاستحداث. فالموارد والصلاحيات وآليات الإنفاق والتخصيص تخضع للدستور والقوانين النافذة والقرارات الرسمية ذات الصلة والاستقلال الإداري والمالي يجب فهمه ضمن حدود النظام القانوني العراقي وليس بوصفه انفصالاً مالياً أو سياسياً عن الدولة الاتحادية.
إن المحافظة الجديدة لن تنجح لمجرد أن لها محافظاً ومجلساً ودوائر ومناصب جديدة. نجاحها الحقيقي يبدأ عندما يتحول القرب الإداري إلى تحسن ملموس في حياة الناس وعندما تصبح الموازنة وسيلة لبناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات الماء والمجاري وفرص العمل لا مجرد أرقام في جداول الإنفاق أما إذا أُنشئت محافظة جديدة لتوسيع الجهاز الحكومي وزيادة الامتيازات وتكثير المناصب من دون دراسة مالية وخدمية دقيقة فإننا نكون قد نقلنا العبء من مؤسسة إلى مؤسستين بدلاً من معالجة أصل المشكلة.
ولذلك فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم مشروع استحداث محافظة الكوفة المقدسة ليس عدد المناصب التي ستنشأ ولا أسماء الذين قد يتولونها بل مقدار ما سيعود به المشروع على المواطن الكوفي من حقوق وخدمات وتنمية وعدالة في توزيع الموارد.
والأهم من ذلك أن الدستور العراقي لم يجعل اللامركزية الإدارية امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء بل أقر في المادة 122 إطاراً دستورياً يمنح المحافظات غير المنتظمة في إقليم صلاحيات إدارية ومالية واسعة وفقاً للقانون. كما نظم قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل جانباً أساسياً من عمل الإدارة المحلية واختصاصاتها. ومن هنا فإن أي مشروع لاستحداث محافظة جديدة ينبغي أن يسلك الطريق القانوني المقرر وأن يستوفي المتطلبات والموافقات اللازمة وألا يُفهم التصويت المحلي وحده على أنه إعلان نهائي عن قيام المحافظة الجديدة.
وهذا يقودنا إلى حقيقة قانونية وإدارية مهمة وهي أن ليس كل قضاء يتحول إلى محافظة بمجرد تصويت مجلس المحافظة أو رغبة أبنائه. فالمبدأ العام لا يمنع من بحث تحويل أي قضاء عراقي إلى محافظة متى توافرت المبررات الموضوعية واستوفيت الشروط والإجراءات القانونية المختصة لكن ذلك لا يعني وجود حق تلقائي لكل قضاء في التحول إلى محافظة ولا يعني أن الموافقة المحلية تكفي وحدها لإنجاز الاستحداث. فالأمر يحتاج إلى دراسة جدوى إدارية ومالية وسكانية وخدمية وإلى تحديد الحدود والاختصاصات والالتزامات المالية وإلى استكمال الإجراءات القانونية والموافقات التي يتطلبها التشريع النافذ.
ومن هذا المنطلق فإن تجربة الكوفة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها قضية كوفية محضة بل بوصفها فرصة لمراجعة السياسة الإدارية في العراق كله. فهناك أقضية ذات كثافة سكانية متزايدة وهناك مراكز حضرية توسعت عمرانياً واقتصادياً وهناك مناطق تتطلب طبيعتها الجغرافية أو مواردها الاقتصادية أو أعباؤها الخدمية إدارة أكثر قرباً وقدرة على اتخاذ القرار. وليس من العدالة أن تُرفض مطالب هذه المناطق لمجرد أنها أقضية كما ليس من الحكمة أن تُقبل جميع المطالب بلا دراسة لمجرد أنها مطالب محلية.
المعيار العادل يجب أن يكون واحداً للجميع. الكوفة لا تُمنح حقاً خارج القانون بسبب مكانتها التاريخية ولا تُحرم من دراسة استحقاقها بسبب تبعيتها الإدارية الحالية وكذلك بقية أقضية العراق. فالمكانة التاريخية عامل معتبر لكنه ليس العامل الوحيد. والسكان والتوسع العمراني والقدرة الاقتصادية وحجم الإيرادات المحلية وكلفة الإدارة الجديدة ومستوى الخدمات والقدرة على استدامة الموازنة كلها عناصر ينبغي أن تدخل في ميزان القرار.
ومن الناحية المالية لا بد من طرح السؤال الصريح: من أين ستموّل المحافظة الجديدة مؤسساتها ومشاريعها…؟
وهل ستكون الموارد المخصصة لها كافية لتغطية النفقات التشغيلية والاستثمارية…؟
وما مصير الالتزامات والموظفين والمشاريع القائمة قبل الاستحداث…؟ وكيف ستوزع الموارد والاختصاصات بين محافظة النجف والمحافظة المقترحة…؟
وهل ستؤدي الخطوة إلى زيادة فعلية في الإنفاق التنموي أم ستعيد توزيع المخصصات القائمة بين وحدتين إداريتين…؟
هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على استحقاق الكوفة بل ضمانة لنجاحه. فالمطالبة بمحافظة جديدة لا تكتمل سياسياً بالتصويت ولا قانونياً بالموافقة الأولية ولا اقتصادياً بمجرد توقع تخصيصات إضافية. إنها تحتاج إلى مشروع مؤسسي واضح يحدد الإيرادات والنفقات والصلاحيات والموارد البشرية والحدود الإدارية وخطة الانتقال من الوضع الحالي إلى الوضع الجديد.
أما على مستوى المناصب فإن استحداث محافظة سيستدعي إعادة تنظيم جانب من الهيكل الإداري وقد يفتح مواقع جديدة للمسؤولية والقيادة والإدارة لكن هذه المواقع ليست غنائم سياسية ولا مكافآت للأحزاب ولا حصصاً توزع على أساس الولاء إنها وظائف عامة أنشئت لخدمة الناس ويجب أن تخضع للقانون والكفاءة والنزاهة والرقابة فكل منصب لا يقابله أداء حقيقي يتحول إلى عبء على المال العام وكل دائرة لا تنتج خدمة ملموسة تصبح جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.
ولذلك ينبغي أن تترافق المطالبة باستحداث محافظة الكوفة المقدسة مع تعهد واضح بالشفافية في إدارة مواردها ومعايير معلنة لاختيار القيادات ومع رقابة مالية وإدارية فاعلة ومع مؤشرات أداء يستطيع المواطن من خلالها أن يعرف أين ذهبت الأموال وماذا تحقق من المشاريع ومن يتحمل مسؤولية التقصير…؟
إننا لا نريد محافظة جديدة تضاف إلى سجل التقسيمات الإدارية ثم تكرر أمراض الإدارة القديمة لا نريد مباني حكومية أكثر من المدارس ولا عناوين وظيفية أكثر من الخدمات ولا موازنات تستهلكها الرواتب والنفقات التشغيلية فيما تبقى الأحياء تنتظر الماء والطرق والمراكز الصحية ما نريده هو إدارة أقرب إلى المواطن وأكثر قدرة على معرفة احتياجاته وأسرع في الاستجابة لها وأشد خضوعاً للمساءلة.
وللكوفة في هذا السياق خصوصية تستحق أن تؤخذ بجدية فمكانتها الدينية والتاريخية وما تستقبله من زائرين وما تشهده من توسع سكاني وعمراني تفرض على الدولة أن تدرس احتياجاتها بمعايير تتجاوز الحسابات الإدارية التقليدية وقد يكون استحداث المحافظة مدخلاً إلى تخطيط أكثر تخصصاً وإلى إدارة أكثر التصاقاً بالواقع المحلي إذا اقترن بتخطيط مالي سليم وصلاحيات واضحة وتنسيق مؤسسي يمنع تضارب الاختصاصات ويضمن استمرار الخدمات خلال مرحلة الانتقال.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر القرار في مركز واحد بل تلك التي توزع صلاحياتها بصورة قانونية مدروسة وتراقب أداء مؤسساتها وتضمن وصول الموارد إلى مستحقيها واللامركزية ليست تفكيكاً للدولة كما أن بقاء كل شيء على حاله ليس دليلاً على وحدتها. إنما تكون اللامركزية أداة لبناء الدولة حين تقرب المسؤولية من المواطن وتربط السلطة بالمحاسبة وتجعل التنمية حقاً متوازناً لا امتيازاً جغرافياً أو سياسياً.
وعليه فإن التصويت الذي شهده مجلس محافظة النجف الأشرف اليوم يمثل بداية لمسار ينبغي أن يُستكمل بالحجة القانونية والدراسة الاقتصادية والإدارية والقرار المختص وهو في الوقت نفسه دعوة إلى وضع سياسة وطنية واضحة لاستحداث المحافظات تقوم على معايير موضوعية معلنة بحيث لا يصبح مصير كل قضاء رهناً بالمساومات السياسية ولا تتحول المطالب الإدارية إلى منافسة على المناصب والمخصصات.
إن الكوفة لا تحتاج إلى محافظة تحمل اسمها فحسب بل إلى مشروع يجعل اسمها مسؤولية في الإدارة وميزاناً في النزاهة وعهداً في التنمية. وإذا اكتملت الإجراءات القانونية وتوافرت مقومات الاستدامة المالية والإدارية فإن الاستحداث يمكن أن يكون خطوة باتجاه تعزيز الإدارة المحلية وتحسين الخدمات وتوسيع فرص التنمية أما إذا غابت هذه المقومات فستبقى المحافظة الجديدة عنواناً كبيراً لمؤسسات مثقلة بالتكاليف.
إن جوهر القضية ليس كم محافظة سيصبح للعراق بل كم مواطناً ستصل إليه الدولة بعد كل استحداث. وليس كم منصباً سيضاف إلى الهيكل الإداري بل كم مشكلة ستُحل وكم حق سيُصان وكم مشروع سيُنجز.
ولأن الكوفة جزء من تاريخ العراق وذاكرته فإن إنصافها لا يكون بالشعارات وحدها بل بإرادة قانونية مسؤولة وبإدارة كفوءة وبموارد تُصرف في مواضعها وبقرار يضع المواطن قبل المنصب والمصلحة العامة قبل المكسب السياسي.
فلتكن الكوفة المقدسة بداية نقاش وطني جاد حول عدالة التقسيم الإداري في العراق وليكن القانون هو الطريق والجدوى هي المعيار والخدمة هي الغاية والمواطن هو الحكم النهائي على نجاح التجربة.
فالمحافظة التي لا تغيّر حياة الناس ليست إنجازاً إدارياً كاملاً بل مجرد تغيير في حدود الخريطة أما المحافظة التي تقرّب الدولة من مواطنيها وتحوّل الموارد إلى حقوق والتنمية إلى واقع فهي التي تستحق أن تولد…

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد