إلى قبيلة النساء التي تسكن تحت جلدي…د.عبيرخالديحيي 

منبر العراق الحر :
في الليل، حين أنام،
تبدأ قبيلتي بالاستيقاظ.
أسمعكنّ قبل أن أراكنّ؛
حفيف أثوابٍ في الممر،
وخشخشة مفتاح،
ووقع أقدامٍ خفيف
يعرف كيف يعبر العتمة
دون أن يوقظ أحدًا.
ثم تجلسن.
حول نارٍ لا أعرف موضعها،
وفي بيتٍ لا أستطيع أن أصفه.
تجلسن في مكانٍ أعمق مني،
في تلك البقعة التي لا يصل إليها النهار،
حيث تختلط رائحة الخبز برائحة المطر،
وحيث تحفظ الأشياء الصغيرة
ما عجزت السنوات عن محوه.
أدخل إليكنّ
كما تدخل امرأةٌ إلى بيتها الأول.
لا تسألنني من أكون.
تفسحن لي مكانًا بينكنّ.
أجلس.
وفجأةً،
أشعر أنني أعرف هذا المكان.
أعرف الخوف الذي يمرّ من تحت الباب،
وأعرف اليد التي تخفي المفتاح،
وأعرف كيف تُطوى الثياب حتى لا تأخذ الريحُ شيئًا منها.
أعرف لماذا تُترك جرّة الماء قرب الفراش،
ولماذا يبقى الخبز مغطّى،
ولماذا تظلّ النافذة مواربة
حتى بعد أن ينام الجميع.
أعرف.
لأنني عشت ذلك
قبل أن أعرف أنني عشته.
في يدي شيءٌ منكنّ.
في مشيتي.
في انحناءة رأسي حين يشتدّ الحزن.
في تلك العادة القديمة
أن أقول: “أنا بخير”
حين يكون الخراب قد وصل إلى آخر القلب.
كنت أظنها عادتي، فإذا بها ذاكرة.
كنت أظن الصمت لي، فإذا به ميراثٌ
وصلني دون وصية.
كنت أظن أنني حين أحبّ
أختار وحدي.
ثم اكتشفت أن في قلبي نساءً كثيرات
يُصغين إلى الخطوة الأولى.
حين أخاف،
لا أخاف وحدي.
وحين أشتاق،
لا يكون الشوق شوقي وحدي.
أشعر بكنّ
تتحركن في داخلي
كالماء تحت الأرض.
لا أراكنّ،
لكني أعرف أنكنّ هناك.
ثم يأتي الغناء.
تبدأ فيروز من المذياع القديم،
ويمرّ صوتها في المكان
مثل هواءٍ يعرف الدرب.
عندها تصمتن،
وأصمت.
تأتيني الأغنية محمّلةً بأمكنة لم أعش فيها،
وبوجوهٍ لم أرها،
وبنساءٍ جلسن ذات مساء
قرب نافذةٍ تشبه نافذتي.
وحين ينتهي الصوت،
يبدأ صوتٌ آخر.
صوتكنّ.
هذه المرة،
لا يخرج من الغرفة.
يخرج مني.
أسمعكنّ تغنين في حنجرتي،
وأشعر أن صدري
أصبح أوسع من صدر امرأةٍ واحدة.
أغني معكنّ.
لا أعرف أين ينتهي صوتي،
وأين يبدأ صوتكنّ.
هناك،
في تلك اللحظة،
لا تعود القبيلة جماعةً من النساء
أحمل ذكراهنّ.
أصير امتدادًا لكنّ،
كما تصير الشجرة
امتدادًا لجذورٍ مخفية.
أشعر بيدٍ عجوز
تستقرّ على كتفي،
وبأصابع طفلة
تشدّ طرف ثوبي،
وبنافذةٍ تُفتح في داخلي دون أن ألمسها.
لا أراكنّ.
أشعر بكنّ فقط.
وأفهم أنكنّ لم تأتين
لتسكنّ فيّ.
كنتُنّ فيّ منذ البداية.
أنا التي تأخرتُ في اكتشافكنّ.
كنتُنّ معي حين خرجتُ أول مرة
إلى العالم بوجهٍ صغير
لا يعرف شيئًا عن قسوته.
كنتُنّ معي حين تعلمتُ أن أبتسم
بعد الخيبة.
وحين عرفتُ أن بعض الأبواب
لا تُفتح مهما طال الانتظار.
وحين أحببتُ.
وحين خسرتُ.
وحين وقفتُ وحدي
في مكانٍ لم أعرف فيه أحدًا
سواي.
كنتنّ هناك.
في اللحظة التي ظننتُ فيها
أنني لا أملك إلا نفسي،
كنتُنّ أنتنّ
نفسي التي بقيت.
لهذا لا أستطيع أن أفصلها عنكنّ الآن.
ما أرتديه من خوف
منكنّ.
وما أحمله من قوة
منكنّ.
حتى أحلامي الصغيرة
أراها تخرج من بين أيديكنّ
كطيورٍ تعلّمت أخيرًا
كيف تغادر القفص.
ولا أريد أن أكون
آخر امرأةٍ في السلالة.
أريد أن يتغيّر شيءٌ فيّ
كي لا يصل إلى امتدادي كما وصل إليّ.
وأريد أن أمنحكنّ
شيئًا لم تمنحكنّ الحياة وقتًا له:
الراحة.
يمكنكنّ أن تضعن الجرار.
أن تتركنّ الأبواب مفتوحة.
أن تضحكنّ بصوتٍ عالٍ.
أن تحلمنّ
دون أن تخبئنّ أحلامكنّ
تحت الوسائد.
أن تحببن
دون أن تدفعن ثمن الحب
من أعماركنّ.
أن تغنين.
وهذه المرة،
لن أخفض صوت المذياع.
سأترك الأغنية تمضي
إلى آخر البيت،
وإلى آخر الليل،
وإلى الأماكن التي ظلّت مغلقةً فينا.
ثم سأكتب معكنّ.. عنكنّ.
سأضع الورقة أمامي،
وأترك أيديكنّ
تقترب من الحروف.
إن خرجت مني جملةٌ
تشبه أمًّا،
فهي لكنّ.
وإن خرجت أخرى
تشبه جدّةً بعيدة،
فهي لكنّ.
وإن ظهرت كلمة
لا تشبه أحدًا منكنّ،
فربما تكون لي.
وربما تكون
لامرأةٍ ستأتي بعدي.
لا أريد للقبيلة
أن تبقى ذاكرةً مطويّةً على الماضي.
أريدها ممتدةً نحو الأمد.
أريد أن أمشي بكنّ
إلى جهةٍ أخرى؛
جهةٍ لا تحتاج فيها امرأةٌ منكنّ
أن تخبّئ قلبها
كي تنجو.
يا نسائي،
حين أنام الليلة،
لا توقظنَني.
ابقين فقط
قاب قوسين مني.
اتركنّ أنفاسكنّ قريبة،
واتركنّ تلك الأغنية
مفتوحةً في العتمة.
فقد تعبتُ من الاعتقاد
أنني امرأةٌ واحدة.
أنا الآن أعرف:
أنتنّ لستنّ تحت جلدي.
أنتنّ جلدي حين أتذكّر،
وصوتي حين أغنّي،
ويدي حين أكتب،
والطريق الذي أمشيه
دون أن ألتفت.
وحين أصل إلى آخر الصفحة،
لن أقول وداعًا.
سأترك القلم مفتوحًا،
والورقة مضاءةً بما يكفي
كي تجدها امرأةٌ لم تُولد بعد.
وحين تضع تلك المرأة يدها على الصفحة،
لن تقرأ أسماءنا فقط.
ستجد أثر أصابعنا
في الحبر،
وستعرف أن النساء اللواتي ظننّ أنهنّ يعشن تحت الجلد
كنّ، في الحقيقة،
يروين الجلد من الداخل.
عندها لن تكون القبيلة ماضيًا،
ولا أنا آخرها.
سأكون الصفحة التي فتحتْها،
وستكون هي الجملة التي لم أستطع كتابتها.
ولن تنتهي الحكاية.
سترفع امرأةٌ أخرى القلم
من حيث تركته،
وتكتب مستقبلنا
بيدٍ لم تعد تخاف.
وأنا…
لن أكبر معكنّ فقط.
سأصير المعبر
الذي تعبرن منه
إلى العالم.
#دعبيرخالديحيي

اترك رد