منبر العراق الحر :حين انحنى المعنى في حضرة فاطمة
لم تمت فاطمة…
لكن شيئا
من ضمير الأرض مات
يوم صار النور
يمشي بين الناس
ولا يجد في جدار العالم
متسعا لقلبه…
لم تمت فاطمة…
بل ماتت اللغة
التي لم تتعلم
كيف تحمي المعنى
من سيوف التأويل…؟
وماتت يد التاريخ
وهي تكتب الحقيقة
ثم تخشى أن ترفع رأسها…
يا ابنة النبوة…
التي لم تك
اسما في كتاب
بل كنت كتابا
كلما قرأه القلب
اكتشف أنه
لم يقرأ شيئا بعد…
أيتها التي كان أبوها
إذا أقبلت عليه
قام للحنان…
كأن الأبوة تتعلم
منك الوقوف
وكأن النبوة حين تراك
تتذكر أن العظمة
ليست ما يهابه الناس
بل ما يوقظ
فيهم إنسانيتهم…
فاطمة…
يا فاصلة الضوء
بين عصرين…
يا سؤالا تركه الغياب
على طاولة التاريخ
ومضى…
من قال إن الموت حفرة…؟
إن بعض الموت
نافذة تطل منها الحقيقة
على عري الذين بقوا…
ومن قال إن القبر نهاية…؟
إن القبور التي تضم العظماء
تضيق بأجسادهم
وتتسع لمعانيهم
حتى يصبح التراب
أعلى من عروش كثيرة…
فاطمة ما أعظمك…
حين يصبح الحزن
في حضرتك فكرا
ويصبح البكاء معرفة
وتصبح الدمعة
وثيقة اتهام
ضد كل عصر
يترك الطهر وحيدا…
إنني لا أرثيك
لأنك رحلت
فالموت أضعف
من أن يأخذ
ما زرعه الله
في ضمير الإنسان
إنني أرثي العصور
التي لم تتعلم
من رحيلك…
أن البيوت
لا تقاس بجدرانها
وأن العدالة
لا تقاس بأصواتها
وأن الحق
قد يكون وحيدا
لكن وحدته
لا تجعله باطلا…
سلام عليك
يوم كنت للرحمة اسما
ويوم صار اسمك
امتحانا للذاكرة
ويوم بقيت
بعد الرحيل…
أكبر من كل الذين
أرادوا للحزن
أن يكون جدارا
بين القلوب…
سلام على روحك
كلما انتصر الضعيف
على خوفه…
وكلما رد إنسان
حق إنسان
وكلما انحنت يد قادرة
لتنهض بيد عاجزة
وكلما اختار قلب
أن يكون عادلا
حين كان الانتقام أيسر…
يا فاطمة…
لو كان للموت عقل
لأدرك أنه لم يأخذك
بل ترك العالم أمام مرآته
ولو كان للتاريخ قلب
لبكى ليس لأنك رحلت
بل لأنه لم يعرف
كيف يصون
ما تمثلينه من طهر…؟
أرى في غيابك
حضورا لا تحده القبور
وفي ذكراك
ميزانا لا يختل
وفي اسمك
لغة إذا نطق
بها الصادقون تطهرت
من غبار الخصومة…
يا ابنة النور
ليس الذي يبقى من الإنسان
طول إقامته في الحياة
بل مقدار الحياة
التي يتركها في الآخرين…
سلام عليك يا فاطمة…
يا من جعل رحيلها سؤالا
وجعلت ذكراها جوابا
وما بين السؤال والجواب
يقف الإنسان عاريا
أمام ضميره ليسأله:
إذا أحببنا الطهر
فلماذا لا نصير أطهر…؟
وإذا بكينا المظلوم
فلماذا لا نكف عن ظلمه…؟
وإذا عظمنا فاطمة
فأين فاطمة من أخلاقنا…؟
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر