دعوة لاعتماد يوم للتضامن العالمي مع المرأة الفلسطينية ….بقلم.. د. محمد حسن أحمد

منبر العراق الحر :

تُشكل المرأة الفلسطينية ركناً أساسياً في مسيرة الصمود وبناء الهوية الوطنية؛ فهي ليست مجرد شاهدة على تاريخ شعبها، بل صانعة لكثير من محطاته المفصلية وشريكة في النضال السياسي والاجتماعي. وفي السادس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، يحيي الشعب الفلسطيني “اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية”، وهي المناسبة التي اعتمدها مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسة رقم (13) بتاريخ 17 تموز/يوليو 2019، تأكيداً على دورها الريادي وتتويجا لخطط تمكينها وتعزيز مكانتها الوطنية.

ولم يكن اختيار هذا التاريخ تحديداً وليد المصادفة، بل مرتبط بحدث تاريخي يعود إلى عام 1929؛ حيث شهد ذلك اليوم انعقاد أول مؤتمر نسائي فلسطيني بمدينة القدس بمشاركة أكثر من 300 سيدة. وشكّل هذا المؤتمر الميلاد الفعلي للمشاركة السياسية المنظمة للمرأة، بالتزامن مع أحداث “ثورة البراق” التي شملت أنحاء فلسطين ودُفع خلالها ثمن باهظ من استشهاد تسع نساء وهدم للمنازل وتشريد للأسر والزج بالعديد في السجون. وقد خرج ذلك المؤتمر بقرارات سياسية قوية عبّرت بصدق عن تطلعات الشعب الفلسطيني آنذاك.

واليوم، تأتي هذه الذكرى الوطنية في ظل ظروف غير مسبوقة تعيشها المرأة الفلسطينية إثر العدوان الشامل والعمليات العسكرية الممتدة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. إذ تكشف الأرقام والبيانات الموثقة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الصحة ووزارة شؤون المرأة والهيئات الأممية عن حجم الفاتورة الباهظة التي دفعتها النساء؛ حيث ارتقى في قطاع غزة أكثر من 12,500 شهيدة من بينهن 11,301 شهيدة موثقة رسمياً بالأسماء، واستُشهدت أكثر من 9,000 أم فلسطينية مما تسبب بالضرر البليغ لآلاف الأطفال الذين أصبحوا أيتامًا، وهدم حياتهم الأسرية، كما سُجلت أكثر من24,537 إصابة مباشرة بين النساء والفتيات، بينما تُقدر هيئة الأمم المتحدة للمرأة الحصيلة التراكمية للنساء اللاتي قُتلن أو أُصيبن بجروح خطيرة بـ 50,000امرأة وفتاة (أي واحدة من بين كل 21 امرأة في القطاع)، إلى جانب استشهاد 42 صحفية وإعلامية، وبقاء آلاف المفقودين تحت الأنقاض.

ولم تقف المعاناة عند حدود القصف والقتل المباشر؛ بل امتدت لتطال أدنى مقومات الحياة اليومية والصحية. مما أسفر عن تضرر نحو 94% من مرافق الرعاية الصحية، وحرمان 107,000 امرأة حامل ومرضع من الخدمة الطبية، وتعريض50,000 امرأة حامل لمخاطر الولادة بلا تعقيم أو تخدير. وقد أدى هذا التدهور وسوء التغذية الحاد الذي يهدد24,600 امرأة ورفع نسبة الأنيميا بين الحوامل إلى 57.1% إلى ارتفاع حالات الإجهاض وفقدان الحمل بنسبة تجاوزت 300% (أكثرمن 12,000)، وارتفاع معدل وفيات الإناث في سن الإنجاب إلى5.9 لكل 1,000 امرأة.

هذه الكارثة الصحية وتصاعد وفيات الذكور المعيلين أحدثا تحولاً هيكلياً قسرياً في البنية الاجتماعية؛ إذ أصبحت86,290 أسرة (نحو 25% من أسر القطاع) ترأسها وتُعيلها نساء أرامل ومُعيلات بعد ترمل 28,560 امرأة. وترافق هذا العبء الأسري المضاعف مع انهيار اقتصادي تام وبلوغ نسبة البطالة بين نساء غزة 92%، لتعيش أكثر من مليون امرأة وفتاة تجربة النزوح القسري والمتكرر داخل خيام ومراكز إيواء متهالكة يفتقرن فيها لأدنى درجات الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ولم تعد الخيام مجرد ملاذ مؤقت للهرب من القصف، بل تحولت إلى ساحة مواجهة يومية تخوضها النساء للحفاظ على رمق الحياة والكرامة الإنسانية. ومع قدوم فصل الشتاء، تتضاعف هذه المأساة تحت وطأة الأمطار والرياح العاتية التي تغرق الخيام المتهالكة وتحيل المخيمات إلى مستنقعات طينية، في ظل انعدام أجهزة التدفئة، وشح الأغطية والملابس الشتوية، وغياب وسائل الصرف الصحي الأدنى. تجد الأم الفلسطينية نفسها اليوم في مواجهة قسوة البرد القارس لحماية أطفالها من التجمد والأمراض، في ملحمة صمود يومية صامتة تُعري العجز الدولي أمام أبسط حقوق الإنسان.

وبالتوازي مع هذه المأساة الميدانية، كشف بيان مشترك صدر عن ثلاث مؤسسات حقوقية وأهلية تضم نادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وهيئة شؤون الأسرى والمحررين عن واقع بالغ القسوة تعيشه المعتقلات والأسيرات الفلسطينيات داخل سجون ومراكز التحقيق الإسرائيلية. إذ يقبع في المعتقلات أكثر من 90 أسيرة فلسطينية (من بينهن 87 أسيرة محتجزة بشكل دائم من الضفة والقدس)، وتضم هذه الأعداد 22 معتقلة إدارياً دون تهمة أو محاكمة، وذلك في ظل تسجيل أكثر من 800 حالة اعتقال بين النساء في الضفة والقدس منذ أكتوبر 2023، وإخفاء معتقلات غزة قسراً.

وتتجاوز الانتهاكات داخل السجون سلب الحرية لتستهدف السلامة الجسدية والنفسية للأسيرات عبر التعذيب، وسياسة التجويع، والحرمان الممنهج من العلاج، واقتحام الزنازين والاعتداء عليهن بالضرب والإذلال وهن مقيدات. كما وثقت المؤسسات الحقوقية اعتداءات تمس بالكرامة شملت التفتيش العاري والتحرش على يد سجّانات، والتهديد بالاغتصاب والشتائم المزرية منذ اللحظات الأولى للاعتقال لكسر إرادتهن.

إن هذه الممارسات الممنهجة بحق الأسيرات والنساء تندرج ضمن سياق أوسع يستهدف الوجود الفلسطيني ككل من خلال المداهمات، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، والتوسع الاستيطاني لفرض واقع الضفة وتقويض فرص إقامة الدولة المستقلة.

وأمام تفاقم هذه المعاناة القاسية المركبة بين سلب الحرية خلف سجون الاحتلال، وتكرار النزوح ، وتدمير أكثر من 60% من المنازل ونزوح قاطنيها؛ لتصبح أرضًا جرداء، وفقدان الأمان في خيام النزوح وتحت وطأة البرد الشديد، تبرز حاجة ملحة أخلاقيا وإنسانيا بما يفرض على العالم وأحراره الاستجابة المباشرة بضرورة تخصيص وإقرار يوم للتضامن العالمي مع المرأة الفلسطينية. إن حماية نساء فلسطين، وإنهاء مأساة النازحات والمشرّدات، وفك أسر الأسيرات وتوفير الحماية الدولية الشاملة لهن، هي مسؤولية دولية ملحة لمواجهة سياسات الانتقام الجماعي وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني بحزم وعدالة.

اترك رد