منبر العراق الحر :
في كل أزمة تعصف بالمنطقة، ينصب للشيعي العراقي ميزان لم ينصب لغيره، ويفرض عليه سؤال صيغ ابتداء بطريقة خاطئة: أتختار عقيدتك أم وطنك؟ وخير مثال سؤال الاعلامية منى سامي للفنانة الاء حسين . وكأن القلب لا يتسع إلا لحب واحد وكأن الإنسان لكي يكون عراقيا نقيا عليه أن يقتلع من روحه تاريخه ومذهبه ووجدانه هذه ليست معادلة وطنية بل فخ فكري فالعقيدة لا تتعارض مع الوطنية إلا حين تتحول الأخيرة إلى سلاح لمصادرة معتقد الناس ثم إن العقيدة التي يتهموننا بها لم تأتنا من وراء الحدود بل خرجت من هنا: من الكوفة عاصمة علي(ع)، ومن كربلاء التي سالت فيها دماء الحسين (ع)، ومن النجف التي تشد إليها رحال طلاب العلم منذ ألف عام. فمن كان مذهبه مدفونا في ترابه، كيف يقال إن ولاءه خارج حدوده؟ والأصل لا يتبع الفرع، والجذر لا يكون ذيلا فعندما واجه العراق الاحتلال البريطاني خرجت فتاوى المقاومة من حوزاته وأسهمت في إشعال ثورة العشرين وعندما اجتاح تنظيم داعش مدنا عراقية عام 2014 وتهدد وجود الدولة، صدر نداء الدفاع من النجف، فهب مئات آلاف العراقيين من محافظات العقيدة وسقط منهم شهداء دفاعا عن مدن ربما لم يروها من قبل.
من حق العراقي أن يحب النجف وكربلاء كما يحب دجلة والفرات، وأن يشعر بامتداد روحي نحو كل بقعة تشاركه معتقده، كما يشعر ملايين البشر بروابط تتجاوز حدود دولهم. فالمشاعر لا ترسم حدود الدول ولا تلغيها. لم يتهم أحد بالتبعية حين بكى غزة ، فلماذا يصير الدمع جريمة إذا سال على الضفة الشرقية للحدود على شعب يقصف ظلما وعدوانا ؟ والسبب لم يركعوا كما ركع غيرهم بل مرغوا انوف من أرادوا تركيعهم بالتراب ،
لكن الخط هنا يجب أن يكون واضحا كحد السيف ، فليست الوطنية أن تكره إيران كي تثبت أنك عراقي، وليست العقيدة أن توافق إيران في كل ما تفعل كي تثبت عقيدتك. الدول لها مصالح، والمذاهب لها عقائد، والأوطان لها سيادة، وخلط هذه الثلاثة أصل المأزق. العراقي الذي يموت دفاعا عن أرضه لا يسأل قبل موته عن مذهبه والذي يحفظ عقيدته لا يطلب منه أن يقدم شهادة براءة من وجدانه كي يعترف بوطنيته فالوطنية ليست شتيمة نرمي بها تختلف معه ، ولا صك غفران تمنحه جماعة لجماعة.
إلى الذين يضعون الشيعي بين خيارين: لن نختار، لأن الخيار الذي تعرضونه باطل من أساسه. فالعقيدة والوطن يسكنان القلب. نموت من أجل الحسين (ع)، ونموت من أجل العراق. والمشكلة ليست أن يجتمعا، بل تبدأ يوم نسمح لأحد أن يجعل أحدهما شرطا لخيانة الآخر. لسنا ذيولا لأحد بل نحن الرأس نحن جذر هذه الأرض ومن يقتلع الجذر يقتلع الشجرة كلها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر