منبر العراق الحر :
لم أكن أفكر في شهادة تقدير من أحد، ولم أنتظر لقب الأم المثالية الذي يوزع هنا وهناك، كل ماكان يشغلني صوت دقات قلبك الصغير الذي سمعه قلبي الذي كنت تسكن في الغرفة المجاورة لنبضه، ابن قلبي ينبض في قلبي ويمدني بالحياة وبالأمل، كل حركة منك تعني أنك تشعر بشوقي لقدومك، شوقي لكلمة( ماما) تقولها فتنفتح أبواب الجنة وتحملني الملائكة فوق أجنحة نورانية.
لم أكن أفكر بشهادة تقديرية حين هدهدت حرارة جسدك وأنت تذوب بين ذراعي وجعا وبكاء، وأسهر الليل وأنا أحوقل وأبسمل خوفا عليك، ثم أكتشفت أنه وقت بزوغ الأسنان حين رأيت بياض السن الصغير يبرز من تحت لثة حمراء طرية كالزبدة، ووزعت القمح المسلوق والسكر للجيران فرحا إذ كنت أرى هذه الفرحة الكبرى في عمري، ولم أكن أستطلع المستقبل وأعرف أنك ستصبح بعد زمن قصير ذلك الرجل الذي سيحملني ذات عجز مثلما حملته في طفولته، فرحت بك حدّ النشوة عندما حبوت قليلا ثم مشيت قرب الجدار وأنت تضحك فيزهر الليمون على وجه يومي..
كنت أظن ببراءة أمومتي أن سفرك من باب البيت إلى المدرسة أطول سفر إذ كنت انتظرك بلهفة لامثيل لها ثم أكتشفت أن سفرك للدراسة هو السفر الأطول فصار للإنتظار طعم الملح والدموع فكيف أخلد للنوم وأنت بعيد عن صدري مسافة قلقي وخوفي عليك!؟
لم أكن أنتظر شهادة الأم المثالية حين حولت البيت إلى ثكنة عسكرية صارمة في نظامها فنحن في موسم الدراسة للشهادة الثانوية، ولكني بفخر كبير تلقيت خبر نجاحك ودخولك للجامعة فقد أثمر التعب وهاأنت الآن مثار إعجاب الجميع..
لم أكن أنتظر شهادة الأم المثالية حين عشت كل المنمنمات والتفاصيل خمس مرات متتالية مع نجوم تلتمع في سماء الحياة، كل نجمة بيدها شهادة علمية وشهادة حسن سلوك مجتمعية فالأخلاق قبل العلم وأهم منه أحيانا.
فخورة بكم وبنفسي فالأمومة عطاء لايضيع ثوابه، وها هي الأدوار قد تبدلت كما صار أبي طفلي المدلل، صرت أنا طفلتكم المدللة في غياب أمي رحمها الله، ورحت أتهرب من وصاياكم واهتمامكم” أمي لا تتعبي نفسك بالعمل، أمي لاتنسي شرب الدواء، أمي نامي باكرا”.
لم أنتظر يوما شهادة الأم المثالية فأولادي أهم شهادة خرجت بها من الدنيا لأنني ساهمت في بناء مجتمع صالح قوامه العلم والخير والأخلاق الحميدة
منبر العراق الحر منبر العراق الحر