منبر العراق الحر :
كان الراديو او المذياع من المقتنيات الأساسية للبيت العراقي، ويكاد لايخلو بيت منه، وكان له مكانه وحيزه، بسبب كبره، وشكله، وتطابقه مع أثاث المنزل.
أذكرفي بيت العائلة الكبير، كان لنا راديو عليه مزهرية، ويخرج سلك منه مرتبط الى أعلى يؤدي دور الهوائي أو الإريل.
للسابقين كانت لهم مجالس مع الراديو، ولاسيما عند نقل حفل كوكب الشرق أم كلثوم، من إذاعة صوت العرب من القاهرة، الذي يوافق أول خميس من رأس كل شهر، وكانت الأسر تتحلق حول الراديو، فيما تحلق أرواحها مع جمال الصوت، واللحن، والكلمة.
ويبدو أن ذاك الجيل له خصوصية تناسب الذائقة والرغبة في التأمل، والبقاء ساعات في سكون للسماع، من دون أن يرى سوى مخيلته، فلا صور، ولا محسنات صوتية، ولا كليبات.
كما أن الراديو، يمثل المحرك الذي يشكله اليوم الفيس، فمن خلاله ينزل الشعب الى الشارع، لذا كانت الدبابات الحكومية تحيط بمقر الإذاعة، لأنها تعد أحد أهداف الثوار أو الحركات الإنقلابية.
قادة الحروب، كانوا يراهنون على الراديو، في رسم سياسة الحرب النفسية، وتحديد نتائج الحرب مسبقاً.
كانت أمي، رحمها الله، تقضي أكثر وقتها مع الراديو، تتابع أخبار الحرب الإيرانية على العراق، وتبحث من خلال صوت أمريكا، ومونت كارلو، وهنا لندن، عن نهاية لها، عسى أن تطمئن على أولادها الموزعين بين جبهات القتال.
كان الراديو، وكان فعل ماض ناقص، لأنه لم يبق له وجود في الحاضر، نتيجة المتغيرات التقنية، وما نشاهده في بعض البيوت الفارهة، انما يمثل ديكوراً من الموروث القديم، أو واجهةً فلكلوريةً، وأؤكد الفارهة، لأن المنازل تقلصت بفعل أزمة السكن، وأصبح الراديو شيئاً زائداً عن حاجة البيت الصغير، وبالتالي لامكان له فيه.
اغلب وسائل الإتصال الجماهيري، ستجد طريقها الى الأفول، ربما التلفاز، والصحافة الورقية، سيلتحقان بالراديو، أمام مواقع التواصل الإجتماعي، كما سيضيع اثر الصحافة الملتزمة، في ظل عصر الكتابة المفتوحة من دون ضوابط، وأحكام، ولغة، ورقيب، كما سنفتقد للصوت الإذاعي المتميز، وسيصبح الإختيارالتلفزيوني من نصيب الوجه الحسن، سواء الرباني، او الصناعي، على حساب النطق السليم، وقواعد النحو.
الراديو إبن مرحلة مضت وانتهت، وبرامجه لم تعد مسموعة، فهو مسافر مع أيام درويش الجميل، وعند جهينة الخبر اليقين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر