المشاهدة الشعرية في لوحة الفنان محمود فهمي ( تقليم الباميه ) ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

منذ أن اكتملت رؤى الثقافة في قدرتها للتعبير بحرفية عن هاجسها في داخلي وانا أعتني بالفهم المتبادل بين العين والصورة ، وأشعر أن تلك المبادلة الحسية والروحية والمرئية حين تسكنها مشاعر الشعر وتعبر عنها فأنما يتحول المرئي الى مسافة من التذكر والخيال وتقريب البعيد زمنا كان أو مكانا .وهذا ما كنت اشعره دائما كلما أقف على لوحة فنية لصديقي الفنان البابلي الرائع محمود فهمي ، وها أنا مع لوحة ( تقليم البامية ) اعيش متعة شاعرية النظر والكتابة ، ذلك أن عالم فهمي في مكوناته وبيئته وخصوصيته يحمل الى الناظر طاقة من الايجاب والمحاولة بأستعادة البعيد الى المكان القريب ، وربما تقليم البامية في طقسها هي واحدة من مناسك الصيف وبيئته حيث يصبح موسم قطاف البامية كبيرا وتجتاح البيوت الرغبة الكبيرة لتكون طبخة البامية سيدة القدور والمطابخ وتقدم طازجة ومملوحة بأطيب البهارات مع اللحم والرز واللبن.
لذلكَ فأنا أؤمن دوما بما كتبته ذات مرة عن عالم هذا الرسام المبتهج : من أن الطقوس التي نتستعيد فيها لحظتنا السعيدة أغلبها تكون بيتية . وربما التقي من غير قصد ما اشار اليه العالم الجمالي غاستون باشلار قوله : أن ما نعيده ويبهج الفرح فينا قد أرسلتهُ الينا متاحف ارواحنا .
وأظن ان مشهد الفتاة واختها في تقليم البامية أُعيدت لنا بفضل متاحف محمود فهمي التي تحتفظ بالموروث وصوره التي لم تزل الى اليوم تعبر عن كمية كبيرة من الحنين الى زمن نفتقد اشيائه وجمالياته بسبب العولمة واكتساحها للذائقة والاهتمام والمرجعيات التي كانت تمثل نمطا جميلا لخصوصية الحياة التي كانت هندسة بيوتها طابوقاُ كانت أو طيناً او شناشيل تملأ نواظرنا في ازمنة الطفولة والصبا والشباب ، وربما لم يختفي طقس البامية ولم تزل البيوت تمارسه ولكن ما تشير اليه لوحة صديقي الفنان محمود فهمي ،هو انها ابقت على عطر الزمن وهو يتلازم مع موجوداته القديمة التي لم تغب عن ذاكرة اللوحة وكل شيء فيها يعيدك الى الوراء مثل نظرات البنت ومسحة الغرام والبراءة الشرقية في ابتسامتها وملامحها وما ترديه ( دشداشة البيت ) وضفيرتها وسعادة الطفولة في نظرة اختها اليها ، فيما كانت شجرة التين تأكيدا على أن هذه الشجرة المباركة كانت تزرع في اغلب بيوتنا القديمة.
هذه المشاهدة الممتعة الى اللوحة ، فقط تحتاج الى بهجة من الشعر لتعبر عنها وقد لاتحتاج الى نظرية جمالية نقدية تحاكيها بتعقيدات التفسير ومنهجيات الفن في علاقته مع الانسان ثقافة وذائقة ومنهج اكاديمي ، لتكون تلك الشاعرية هي لحظة جعل لوحة تقليم البامية بساطا لريح احلامنا ودموعا في تذكر زمن لايعود بالرغم من اننا نرغب كثيرا في عودته .
واظن أن عبارة متاحف ارواحنا تنطبق كثيرا على رسومات محمود فهمي ،فهو بحرفته وثقافته ولغته اللونية ارسل الينا سردا روائيا من خلال تجربته الابداعية المتفردة التي يتناول في بساطة المشهد المأخوذ بحرفة وعناية من متاحف ارواحنا حتى يشاهدها من يتمنى ان لاتفلت بوصلة الحنين من ذاكرته.
شعرية تقليم البامية في هذه اللوحة منظرا وحسا ونقدا ينطبق عليها هذا الهايكو الياباني الذي يقول : لاتنزع ما تحبه عن عينيك .فالصورة في شهوتها فراشة بثلاثةِ اجنحة.
فرانكفورت 8 ديسمبر 2023
قد يكون فن ‏شخصين‏

اترك رد